في فضل الخريف
عدتُ إلى الزيتونة العتيقة.
هي نفسها التي جلست تحتها في الأماسي الخريفية البعيدة، وصدري مثقل بوجدانيات لا حصر لها ولا عدد. وجدتها هذا المساء غير التي أعرف. الأرض من حولها لم تعد أرضا، صارت بساطا من ذهب ونحاس يبرقان في الأوراق، ويهمس بقشقشة تحت خطوي كلما وطئته.
مرت نسمات خريفية هامسة، فانفصلت ورقة عن غصنها فوق قنة رأسي. لم تسقط عموديا، بل تسلكت مسلكها إلى الأرض وراحت تدور، تتردد، كأنها تختبر وجود الهواء قبل أن تسلمه نفسها بكل طواعية. تبعتها بعيني حتى استقرت عند قدمي، على ظهرها، ترتجف قليلا ثم سكنت.
حينها فقط، فهمت لماذا لا يحزن الخريف في عرف الغاب المعبد في طريق الأزمنة والأحقاب.
نحن لا نبكي الورق المتساقط بل نفهمه. الشجرة لا تتخلى عن ورقها لأنها ضعفت، بل لأنها تريد أن تبقى. كأنها تقول له: عد إلى الأرض، صر ترابا وسمادا، لأجد ما أتشبث به حين يأتي الصقيع. شيء يمضي ليبقى شيء آخر.
تأملت الورقة عند قدمي، صفراء بحواف محترقة، لكنها لا تزال جميلة كخدود الزمن على سحنة الأرض. كانت قبل أسابيع تظلل ربما نملة، وتخفي عصفورا، والآن هي فراش لجحري، الشتوي ربما، ودفئا لبذرة نائمة بعيدا تحت التراب. لم تنته وظيفتها الطبيعية، بل بدأت خدمة أخرى لمن يجهل أو يتجاهل.
هذا هو الدرس الذي لا تنبس به الأشجار بصوت هامس، لكنها دأبت على فعله مرارا وتكرارا.
في الصيف، الغابة تبدو أكذب للعين. كلها خضراء، كلها متشابكة، وتستر عيوب بعضها. لا تعرف الصادق فيها من المدعي. ثم يأتي كساء الخريف فينزع المساحيق. تنكشف الزيتونة، لأنها لم تبدل ثوبها يوما، بقيت على خضرتها المرة، صامدة لأن جذرها عميق. ويحمر البلوط خجلا قبل أن يودع زمن البهجة، كفارس نبيل. وتصفر أشجار الحور سريعا لأنها كانت زينة في صيف عابر فقط.
الخريف يعرّي ليُظهر الحقيقة، ويجلي ليبرز ما استخفى.
جلست حتى هالني الورق. لم أنفضه عن ظهري. تركته وشعرت بدفء ليس من شمس في كبد السماء. فهمت أن أوراقي أنا أيضا تتساقط، وشباب عمري يمضي، مطاردات كنت أظنها زينة الحياة ثم لم تعد تعني لي شيئا، بل حتى مخاوف كنت أحملها من البنادق والشراك باتت خريفا في دروس الحياة والعمر.
لا بأس أن تسقط وأن نسقط جميعا.
ما يسقط اليوم، وما يخلو اليوم، هو ما يفسح الرؤية غدا، فدع الورق يسقط، فلا ورقة تسقط وحدها.

Leave a Reply