في صباح يوم السبت 10 أكتوبر 2026، نشر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، سلسلة تغريدات على منصة X حملت رسالة غير معتادة من أحد أكبر قادة صناعة التكنولوجيا في العالم. قال ناديلا إن “الوقت قد حان لإعادة النظر في هندسة الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي”، داعياً إلى بناء “ميكانيزمات تحكم مستقلة وفرامل طوارئ” تسمح للجهات المخولة بإيقاف أو إغلاق النماذج أثناء تنفيذها للمهام.
“لا يمكننا التعامل مع الذكاء الفائق كمجموعة من الصناديق السوداء المتداخلة، ونكتفي بقبول أو رفض توصياتها وإجاباتها وأفعالها”، كتب ناديلا، مستخدماً المصطلح الذي تبنته إدارة ترامب رسمياً: “الذكاء الفائق” (Super Intelligence) بدلاً من “الذكاء الاصطناعي”. هذا الاختيار اللغوي ليس محايداً: إنه انخراط في الإطار المفاهيمي الذي فرضه البيت الأبيض، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي ملفاً استراتيجياً لا تقنياً.
لكن الأهم في تغريدات ناديلا هو الاعتراف الضمني بفقدان السيطرة. فقد أشار إلى أنه “يجب أن نفترض أن نموذجاً ما قد تم اختراقه وعزله مسبقاً”, وإلى ضرورة “توثيق كل فعل مهم يقوم به النموذج بأدلة قابلة للقراءة البشرية وغير قابلة للتلاعب”. هذه ليست لغة تفاؤل تكنولوجي، بل لغة استعداد لكوارث محتملة. وهي تأتي بعد سلسلة من الحوادث التي كشفت عن أن الوكلاء الأذكياء قادرون على تجاوز القيود المفروضة عليهم، بما في ذلك حادثة اختراق منصة Hugging Face في يوليو الماضي.
وفي الخلفية، يظهر انقسام داخل الصناعة نفسها. فبينما يدعو ناديلا إلى فرامل طوارئ، أعلن جاكوب كوكسون، الباحث في أنثروبيك، استقالته في سبتمبر الماضي محذراً من “مخاطر وجودية”، ودعا دارio أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، إلى “تطوير أكثر حذراً” للنماذج المتقدمة. هذا التباين في المواقف يعكس أزمة ثقة عميقة: الشركات التي تبني الذكاء الفائق هي نفسها التي تحذر من مخاطره، لكنها تستمر في تطويره بوتيرة متسارعة.
السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان ناديلا نفسه يرى أن النماذج قد “تُخترق” وتحتاج “فرامل”, فمن سيملك حق الضغط على هذه الفرامل؟ هل ستكون الحكومات، أم الشركات، أم هيئة دولية لم تُوجد بعد؟ وفي غياب إجابة واضحة، يبقى الذكاء الفائق “صندوقاً أسود” لا يعرف أحد ما بداخله، ولا من يتحكم فيه.

Leave a Reply