في بيت رجل أدهش العالم بمكتبته
في شقة متواضعة في ميلانو، كانت الممرات ضيقة إلى حدّ يستحيل معه التنقل بينها دون معرفة مسبقة بخريطة البيت. ثلاثون ألف مجلد تصطف على رفوف صُنعت خصيصاً، تفصلها ممرات وأدراج تشكل متاهة ورقية تكاد تبتلع الزائر بصرياً قبل أن يجلس. كان صاحب البيت، أمبرتو إيكو، يقود ضيوفه في هذه المتاهة بابتسامة هادئة، وهم يتنقلون بين الكتب التي تغطي الجدران من الأرض إلى السقف.
كان الزائر المنبهر يلتفت إلى مضيفه بالسؤال الذي يتلقاه كل مرة: “هل قرأت كل هذه الكتب؟”. فيبتسم إيكو ابتسامة تخفي ما تكشفه، ويجيب إجابة ستدخل تاريخ الفكر الإنساني: “الكتب التي قرأتها تستقر فوق هذا الكرسي وحده، أما البقية فلأتعلم منها يوماً ما ينقصني”.
بهذه الإجابة البسيطة والعميقة، لم يكن إيكو يتهرب من السؤال، بل كان يقلب السؤال رأساً على عقب. وبدلاً من أن يشرح غزارة معرفته، فتح نافذة على مفهوم سيصبح لاحقاً أحد أكثر الأفكار إثارة للتفكير في فلسفة القراءة والمعرفة: المكتبة المضادة (Antilibrary).
من هو أمبرتو إيكو؟ الرجل الذي جعل من الجهل أداة
وُلد أمبرتو إيكو في مدينة أليساندريا الإيطالية في 5 يناير 1932. درس الفلسفة في جامعة تورينو، حيث حصل على الدكتوراه عام 1954، ليصبح لاحقاً واحداً من أبرز السيميائيين (علماء العلامات والرموز) والروائيين والنقاد الأدبيين في العالم. اشتهر عالمياً بروايته “اسم الوردة” (Il nome della rosa) الصادرة عام 1980، التي ترجمت إلى عشرات اللغات وحققت نجاحاً باهراً. تبعتها أعمال روائية كبرى مثل “بندول فوكو” و“جزيرة اليوم السابق” و“باولينو”، إلى جانب مؤلفات نظرية أساسية في السيميائية مثل “رسالة في السيميائية العامة” و“القارئ في الحكاية”.
لكن ما يجعل إيكو حالة فكرية فريدة ليس فقط غزارة إنتاجه أو تنوع اهتماماته، بل العلاقة الحميمة التي عاشها مع فكرة المكتبة نفسها. لم تكن مكتبته مجرد خزانة كتب، بل كانت مختبراً للتفكير، وأرشيفاً للجهل الخصيب، كما وصفها أحد النقاد. وقد كتب إيكو في مقالته الشهيرة “De Bibliotheca” عام 1981 قولته الخالدة: “وظيفة المكتبة ليست إظهار ما نعرفه، بل ما يمكن أن نعرفه”.
المكتبة المضادة: فلسفة الكتب التي تنتظر
مفهوم “المكتبة المضادة” (Antilibrary)، كما صاغه إيكو وطوّره لاحقاً نسيم نيكولا طالب، يشير إلى مجموعة الكتب التي يقتنيها الشخص لكنه لم يقرأها بعد. الفكرة الجوهرية هنا ليست الاحتفاء بالجهل، بل الاعتراف بحجم ما لا نعرفه، وتحويل هذا الاعتراف إلى محرك للفضول والتعلم المستمر.
رأى إيكو أن الكتب غير المقروءة أهم من الكتب المقروءة، لأنها تذكّره دائماً بحدود معرفته وتحفّزه على الاكتشاف. وكتب مرة: “من الكتب ما يجب على المرء أن يقرأه، ومن الكتب ما يجب على المرء أن يكتفي باقتنائه”. بهذه الصيغة، يرفض إيكو الفكرة السائدة التي تختزل قيمة المكتبة في عدد الكتب المنتهية، ويعيد تعريف المكتبة كأفق مفتوح لا كقائمة مغلقة.
في كتابه “De Bibliotheca”، استخدم إيكو تشبيهات بليغة لتقريب الفكرة: فقد شبّه المكتبة بـ“خزانة أدوية”، حيث لا نستخدم كل دواء في وقت واحد، لكننا نحتفظ به جاهزاً للحظة التي نحتاجه فيها. وقال صراحة: “من الحماقة أن نعتقد أن علينا أن نقرأ كل كتاب نشتريه… سيكون هذا مثل القول إن عليك استخدام كل الأواني أو المفاتيح أو المثاقب التي اشتريتها قبل أن تشتري غيرها”.
نسيم نيكولا طالب: من إيكو إلى “البجعة السوداء”
لم يبقَ مفهوم المكتبة المضادة حبيس المكتبة الشخصية لإيكو. في كتابه الشهير “البجعة السوداء: أثر الأحداث شديدة الاحتمال” (The Black Swan)، الصادر عام 2007، خصص نسيم نيكولا طالب فصلاً كاملاً تحت عنوان “مكتبة أمبرتو إيكو المضادة، أو كيف نبحث عن التثبت” (Umberto Eco’s Antilibrary, or How We Seek Validation).
استلهم طالب الفكرة من مكتبة إيكو، وكتب: “المكتبة يجب أن تحتوي على أكبر قدر ممكن من ما لا نعرفه”. وذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن “الكتب التي قرأناها أقل قيمة بكثير من الكتب التي لم نقرأها”، لأن الأولى تمنحنا ثقة زائفة وكأننا نعرف كل شيء، بينما الثانية تبقينا متواضعين وفضوليين.
طرح طالب معادلة بسيطة لكنها عميقة: “كلما زاد ما تعرفه، زادت صفوف الكتب غير المقروءة”. هذا يعني أن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بما نعرفه، بل بوعينا بحجم ما نجهله. وقد أشار طالب إلى أن المكتبة المضادة تجعل صاحبها أكثر تواضعاً وفضولاً، لأنه يعيش محاطاً بأسئلة لم يُجب عنها بعد.
“تسوندوكو”: الحكمة اليابانية في تكديس الكتب
يتقاطع مفهوم المكتبة المضادة مع مصطلح ياباني قديم هو “تسوندوكو” (Tsundoku)، الذي يشير إلى عادة شراء الكتب وتكديسها دون قراءتها. الكلمة مكوّنة من مقطعين: “تسوندي-أوكو” (تكديس الأشياء) و“دوكو” (القراءة).
في الثقافة اليابانية، لا يحمل “تسوندوكو” الدلالة السلبية التي قد يحملها في الغرب. إنه ليس “عاراً” أو “إهمالاً”، بل هو “ممارسة ثقافية” وطريقة لإحاطة النفس بالاحتمالات. بل إن الكاتب الياباني موتوري نوريناغا كان يلاحظ، في القرن الثامن عشر، أن “الكتب غير المقروءة” تظل جزءاً من حياة المثقف، كإمكانية مفتوحة لا كواجب متأخر.
الفرق الجوهري بين “تسوندوكو” و”المكتبة المضادة” أن الأولى تصف الفعل أو العادة (الشراء والتكديس)، بينما الثانية تصف المجموعة الناتجة عن هذا الفعل، وقد اكتسبت بعداً فلسفياً وإيجابياً على يد إيكو وطالب.
لماذا هي “مضادة”؟ البعد الفلسفي العميق
سُميت “مضادة” لأنها تقف على النقيض من التصور التقليدي للمكتبة كمكان يضم المعرفة المكتسبة والمقروءة. إنها مضادة للغرور الفكري، لأنها تذكرنا بأن المعرفة عملية لا تنتهي. وهي أيضاً مضادة لثقافة “الإنجاز” التي تحوّل القراءة إلى سباق كمّي.
في هذا السياق، يشير النقاد إلى أن منصات مثل Goodreads، التي تشجع على “القراءة التنافسية”، تتناقض جذرياً مع فلسفة إيكو. فبدلاً من قياس القراءة بعدد الكتب المنتهية، تدعونا المكتبة المضادة إلى فهم الثقافة “كأفق مفتوح، لا كقائمة مغلقة”.
ما يميز مفهوم المكتبة المضادة أنه ليس مجرد فكرة عن الكتب، بل هو موقف فلسفي كامل تجاه المعرفة. إنه يرفض تحويل المعرفة إلى “ملكية” أو “سلعة” تُعرض أو تُستهلك. ويدعو إلى التواضع الفكري: الاعتراف بأن ما لا نعرفه أكبر بكثير مما نعرفه. ويؤكد أن الكتب غير المقروءة هي أدوات، وليست واجبات. وأن المكتبة المثالية هي التي تظل مساحة للاكتشاف، لا خزانة للمكتسبات.
وكما لخص إيكو الفكرة في جملة واحدة خالدة: “المكتبة ليست مكاناً لإظهار ما نعرفه، بل ما يمكن أن نعرفه”.
إرث إيكو: المكتبة التي لم تمت
بعد رحيل أمبرتو إيكو عام 2016، انتقلت مكتبته الشخصية إلى جامعة بولونيا، حيث جالت بين رفوفها أجيال جديدة من الطلاب. تضم المكتبة اليوم أكثر من 32,000 مجلد، إلى جانب أكثر من 2,000 عمل كتبه أو حرره إيكو بلغات مختلفة، وحوالي 600 كتاب عنه. وقد وُصفت هذه المكتبة بأنها “ذاكرة العالم”، وهو التعبير الذي استخدمه إيكو نفسه.
لم تكن مكتبة إيكو مجرد مجموعة من الكتب، بل كانت مفتاحاً لفهم أفكاره وإلهامه، ومكاناً يسكنه روحه حتى بعد رحيله. وكما قال المخرج دافيدي فيراريو، الذي أنجز فيلماً وثائقياً عنها: “كانت مكتبته الشخصية عالماً منفصلاً… مكاناً لا يزال يسكنه espíritu (روحه) سليماً معافى”.
درس إيكو في التواضع المعرفي
في عصر يزداد فيه الضجيج حول “إنتاجية القراءة” و“أهداف الكتب السنوية”، يقدم لنا إيكو ومفهوم المكتبة المضادة بديلاً جذرياً: أن نقتني الكتب لا لنُنهيها، بل لنحتفظ بها كإمكانيات مفتوحة. أن نرى في الكتب غير المقروءة لا فشلاً، بل وعداً. وأن نتعلم أن نعيش مع جهلنا لا أن نخفيه.
هذا هو الدرس الذي تركه لنا أمبرتو إيكو: أن نكون “أمناء على معرفة لم نكتسبها بعد”، وأن نجعل من مكتباتنا مرايا لحدودنا، لا شهادات على إنجازاتنا. وكما قال طالب: “المكتبة يجب أن تحتوي على أكبر قدر ممكن من ما لا نعرفه”. فإذا كانت مكتبتنا لا تذكرنا بجهلنا، فهي ليست مكتبة، بل مجرد واجهة للاستعراض.

Leave a Reply