افتتاحية الثعلب (53)

افتتاحية الثعلب (53)

“أوراق لا تسقط وحدها”

جلس الثعلب تحت شجرة الزيتون العتيقة، كما يفعل كل ليلة منذ أن كان صغيراً. لكنه في هذه الليلة، ولأول مرة منذ زمن بعيد، لم يشعر بالراحة. كان هناك ثقل في صدره، ليس من طعام، ولا من تعب، بل من شيء آخر. شيء لا يستطيع تسميته، لكنه يشعر به كظل يلتصق بخطاه أينما ذهب.

كانت أوراق الزيتون تتساقط حوله، واحدة تلو الأخرى، رغم أن الموسم لم يحن بعد للتساقط. نظر إليها، ثم إلى السماء. كانت الغابة هادئة، لكنها كانت هادئة بطريقة مختلفة. كأنها تنتظر شيئاً. كأنها تحبس أنفاسها.

“لماذا تتساقط الأوراق قبل أوانها؟”، سأل نفسه بصوت خافت. لم يكن ينتظر إجابة، لكن الإجابة جاءته من بعيد، من صوت الريح وهي تعزف على أغصان شجرة بعيدة: “لأن بعض الأشياء تتعب من البقاء”.

ارتجف الثعلب. كانت كلمات الريح بسيطة، لكنها اخترقت قلبه كسهم. تذكر فجأة كل الأشياء التي رحلت في حياته دون أن ينطق بكلمة وداع. أمه التي غادرت ذات صباح ولم تعد، وصديقه العجوز البومة التي كانت تحكي له قصصاً عن النجوم قبل أن تصمت للأبد، وحتى النهر الذي كان يروي ظمأه، والذي جفّ ذات يوم ولم يعد.

“لكن لماذا نتمسك بالأشياء التي نعرف أنها سترحل؟”، تساءل مرة أخرى. وهذه المرة، لم تكن الريح هي من أجابته، بل صوته الداخلي، ذلك الصوت الخفي الذي كان يسمعه في لحظات الوحدة: “لأن التمسك ليس عن الأمل في البقاء، بل عن الشكر على اللحظات التي كانت”.

أغمض الثعلب عينيه، وتذكر. تذكر دفء أمه وهي تلعق فراءه، وحكمة البومة التي كانت تمنحه إياها كهدية دون أن تطلب شيئاً في المقابل، ولذة الماء البارد وهو يمر عبر حلقه في أيام الصيف الحارة. أدرك فجأة أن كل هذه الذكريات لم تكن حزينة. كانت جميلة. كانت ثمينة. كانت هي السبب في أنه ما زال هنا، تحت هذه الشجرة، يتنفس.

“ربما لم تكن الأشياء التي رحلت هي التي جعلتني حزيناً”، همس الثعلب بصوت مليء باليقين الجديد. “ربما كان حزني هو خوفي من أن أنسى. لكنني لم أنسَ. ولن أنسى”.

فتح عينيه، ونظر إلى الأوراق المتساقطة حوله. لم تعد تبدو له كرموز للموت، بل كرسائل من الماضي، تذكره بأن كل شيء له وقت، وأن الجمال ليس في الاستمرار، بل في أن تكون حاضراً عندما يحين الوقت.

نهض الثعلب ببطء، وبدأ يسير. لم يعد يشعر بالثقل في صدره. كان يعرف الآن أن الأوراق التي تسقط لا تفعل ذلك وحدها؛ إنها تسقط لتفسح المجال لأوراق جديدة، وذكريات جديدة، وأحلام جديدة. وأنه، مثل هذه الأوراق، هو أيضاً جزء من دورة لا تنتهي.

وفي الطريق، توقف لحظة، واستمع إلى صوت الريح وهي تهمس: “لا تخف من السقوط. فحتى الأوراق التي تسقط، تعود إلى الجذور التي أحبتها”.

ابتسم الثعلب، ومضى.

Leave a Reply

Your email address will not be published.