تحكم عليك ديكتاتورية الجغرافيا أحيانا، بجار لا تجري معه الرياح كما تشتهي سفن الدبلوماسية والعلاقات الثنائية الممتازة. الخليج العربي أو ما يسمى دول مجلس التعاون الخليجي كلها إلم نقل أغبلها في صراع مع إيران، خصوصا الدول المؤثرة كالسعودية والإمارات، مع انعطافات للعلاقات مع باقي الدول في المجلس بين مد وجزر وبين براغماتية سياسية واقتصادية تقوم على الاحترام الواجب المتبادل. لا يجب أن ننسى اللاعبين الرئيسيين في الصراع في المنطقة خاصة، وفي باقي بؤر التوتر على الصعيد العالمي، وهم دول الغرب باصطفافاتها خلف نسر الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا التي ما زالت دولها المؤثرة في السياسة الدولة بحكم موقعها في مجلس الأمن الدولي تنفث على الدوام في رماد الصراع كلما خمد. وحينما نتحدث عن إيران فلا يجب أن ننسى كما قال عزمي بشارة مؤخرا، بأن هذه الدولة لا تريد المغامرة برصيدها السياسي الذي بنته في المنطقة على مدى عقود من الزمن، رغم تأثرها خارجيا بالعقوبات الاقتصادية، وكونها لا تخرج عن كنف حليفيها التقليديين روسيا والصين.
صانعو القرار في طهران، ليسوا عمامات لا تفكر، ولا دمى متحركة بغباء نظرائهم في المنطقة، بل هم من أشد الناس تفكيرا وبعمق في طبيعة الصراع مع الغرب وأذياله، وقد اعتادوا من جيرانهم القريبين أن الثقة فيهم مجرد ذر للرماد في العيون.
لا تتقاعس اليوم إيران في إبداء جبروتها في المنطقة بتحكمها بجبهات مهمة على غرار دولة اليمن، ولا بناصية الشام ولبنان معقلاها الهامين بجوار العدو الصهيوني، وبجوار أنظمة عربية تمقت النظام الإيراني إلى أبعد الحدود، مرورا بالعراق، الذي لا تنطفئ جذوة الصراع فيه رغم تغير الحكومات الطائفية.
هجمات إيران على الكيان !
إذا كانت إيران أحق بالنقد من غيرها، فهي على الأقل – ونحن هنا لا نرمي الورد على أحد – فلأنها من دول المنطقة القلائل الذين ناوئوا المشروع الغربي رغم اختلافنا في طريقة تدبيره من بلد الملالي، لكن على الأقل يمكن أن نأخذ من صمود مشروع إيران السياسي في وجه الغرب على أوجه عدة نذكر منها :
– لم تنكر إيران تصنيعها أو محاولة دخول معترك الدول النووية وهي في حرب دبلوماسية شرسة مع الغرب منذ ما بعد الثورة مرورا بحرب الخليج الأولى إلى الحرب الأخيرة على غزة.
– المشروع الصفوي كما يوصف هو مشروع سياسي بامتياز تحت يافطة دينية طائفية لها مبرراتها في المنطقة أو ما يسمى بالهلال الشيعي الذي أخذ أنظمة عربية في صفه ربما لم يقنعها صف الاعتدال واختارت موكب المقاومة لدحر المشروع الغربي والصهيوني على وجه الخصوص بالمنطقة.
– لم يقتصر دور إيران فقط على تزعم محور المقاومة بل تعداه إلى نسج علاقات براغماتية قوية مع حلفاء أقوياء هما الصين وروسيا.
– رغبة إيران في التوسع لا يمكن أن تقف في ظل محميات مستعمرة من دول المنطقة التي لا تهش ولا تنش وهي دوما في انتظار تلقي الإشارة عند أي توتر سياسي جديد في المنطقة ولا تتخذ قراراتها – كما يبدو في الغالب – بمحض إرادتها.
واسترسالا في موضوع الهجوم الأخير على الكيان الصهيوني في عقر داره، سيما أنه كان ردا تكيتيكا وليس ردا حاسما جراء اغتيال مروع عند سفارة البلد في سوريا، والتي هي أرض مستباحة في الأصل من جميع مخابرات العالم. الظاهر في الرد أنه لم يكن ردا يريد توسعة دائرة الحرب، وهذه رغبة أكيدة من حلفاء إيران وأيضا هي نتيجة للمفاوضات في السر مع الدول الغربية، وإلا لماذا لا تقتل إيران شخصيات عسكرية مثلما جاء في ردها السياسي عقب الهجوم على سفارتها ؟ بالتأكيد هي مناورة ربما طويلة الأبعاد وهي تأخذ في بعدها السياسي والعسكري صراع من نوعية النفس الطويل، أو معركة من يسقط أولا بالضربة القاضية، وإلا لماذا إيران لا تقتل مدنيين على الأقل في دولة الاحتلال أو تترك إصابات بليغة في صفوف عدوها الأول في المنطقة ؟
المتحمسون للحرب العالمية لن يعجبهم هذا الكلام يقينا، فحتى الحرب الأوكرانية لا تبدو في نظرهم مقدمة لحرب عالمية ثالثة !!!
الراجح أن صراع إيران يأخذ بعدا ذكيا في صراعها من أجل البقاء في الميدان فلا هي أجهزت على السعودية عدوها الطائفي بل أقدمت على صلح تاريخي برعاية صينية، بل والأدهى أنها تمد يدها للفاعل الرئيسي في فلسطين وهي حركة حماس السنية، التي هي نقيض حلفاء إيران الأقرب إليها في المنطقة من الحوثيين وحزب الله وحلفائها من شيعة العراق والعلويين في سوريا.
ما يرْشح من سياسة إيران في الغالب هو ما أكده الداعية الموريتاني الددو، وأجده أقرب الصواب في ظل تشويش السياسة، وهي أن إيران في النهاية : *عدو مؤقت وجار دائم، بينما إسرائيل هي عدو دائم وجار مؤقت،* وهذا ما ينبغي على دول التطبيع وممن يعادي مشروع إيران مهما اختلفنا مع طريقة تحركاتها في المنطقة.
فهل إيران لوحدها المذنبة أم أن ألاعيب السياسة الخارجية تصور لنا هذا الفاعل المهم في المنطقة بمثابة بعبع ينبغي القضاء عليه؟ أليس الأولى أن نقضي على الديكتاتوريات والحاكمية المجحفة في المنطقة!
ختاما، إذا أردت أن تشوش تفكير ونظرة أحدهم ما عليك سوى إشغاله بشيء هامشي، وضربه في مصالحه الكبرى دون أن يدري.
المعركة الحقيقية مع حيتان القوم في الجيوبوليتيكا يا سادة وليست مع صغار اللاعبين !

Leave a Reply