المهدي المنجرة.. الرجل الذي رأى المستقبل من قاعة مكناس قبل 33 سنة : صعود الصين وأفول الغرب

المهدي المنجرة.. الرجل الذي رأى المستقبل من قاعة مكناس قبل 33 سنة : صعود الصين وأفول الغرب

في عام 1993، وفي قاعة مؤتمرات بالقصر البلدي بمدينة مكناس، وقف رجل على منبر متواضع، وألقى محاضرة لم تكن مجرد كلمة عابرة في ندوة أكاديمية، بل كانت “وثيقة استشراف” حقيقية، رسمت ملامح العالم الذي نعيشه اليوم. ذلك الرجل هو الدكتور المهدي المنجرة، الاقتصادي وعالم الاجتماع المغربي، الذي أطلق عليه لقب “نوستراداموس العرب”، ليس لأنه كان يتكهن بالمستقبل، بل لأنه كان يقرأ تحولات التاريخ بعيون عالم اجتماع، وليس بعيون عراف.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك المحاضرة، نجد أنفسنا أمام حقائق صادمة: المنجرة لم يكن يتحدث عن سيناريوهات بعيدة، بل كان يرسم خريطة للعالم الذي نعيشه اليوم. صعود الصين كقوة عظمى، وتراجع الهيمنة الغربية، وانتفاضات الشعوب العربية، كلها وقائع تنبأ بها الرجل قبل أن تحدث بعقود.

من هو المهدي المنجرة؟

ولد المهدي المنجرة في الرباط عام 1933، لعائلة تنحدر من الأشراف السعديين. كانت نشأته في بيئة جمعت بين القيم الإسلامية والدعوة الإصلاحية، حيث كان محيطه من رجالات الوطنية والدعوة الإصلاحية. لم تكن حياته مجرد حياة أكاديمية هادئة؛ بل كانت رحلة تمرد ونضال. رفض الخدمة العسكرية الأمريكية في حرب فيتنام، وصفق أبواب الأمم المتحدة خلف ظهره عندما أيقن أنها فقدت بوصلتها الأخلاقية.

عمل المنجرة مستشارًا أولًا في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة بين عامي 1958 و 1959, وأستاذًا محاضرًا وباحثًا بمركز الدراسات التابع لجامعة لندن (1970). اختير للتدريس في عدة جامعات دولية (فرنسا وإنكلترا وهولندا وإيطاليا واليابان)، وشغل باليونسكو مناصب قيادية عديدة (1961-1979). أسهم في تأسيس أول أكاديمية لعلم المستقبليات، وتَرَأّسَ بين 1977 – 1981 الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية. وهو عضو في أكاديمية المملكة المغربية، وحاز على العديد من الجوائز الدولية والوطنية، من بينها وسام الشمس المشرقة الذي منحه له إمبراطور اليابان.

لكن المنجرة لم يكن أكاديمياً تقليدياً. لقد رفض المناصب والجاه، وآثر أن يكون صوتاً حراً، يدافع عن قضايا الشعوب المقهورة وحرياتها، ومناهضاً للصهيونية ورفضاً للتطبيع. لقد “سخر كتاباته ضد ما أسماه بـ «العولمة الجشعة»”.

محاضرة مكناس 1993: عندما تحدث المنجرة عن المستقبل

في تلك المحاضرة الشهيرة التي ألقاها في مكناس عام 1993, لم يكن المنجرة يتحدث عن نظريات أكاديمية مجردة، بل كان يقدم رؤية استشرافية للعالم. من أبرز ما قاله في تلك المحاضرة، وما يزال يتردد صداه حتى اليوم، هو تشبيهه الحكيم لنهضة الصين بسور الصين العظيم.

يقول المنجرة: “عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم، واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه. ولكن خلال المئة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات، وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه، بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب”.

بهذه القصة البسيطة، كان المنجرة يضع finger على الجرح: “لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس”. فالإنسان هو الأساس، والاستثمار في التعليم وبناء الإنسان هو ما يجعل الحضارات تنهض. هذا هو السر الذي فهمته الصين، وتغافلت عنه الأمة العربية.

تنبؤات المنجرة: صعود الصين وأفول الغرب

المثير للدهشة أن المنجرة لم يكتفِ بتحليل الماضي، بل كان يقرأ المستقبل بعين ثاقبة. لقد تنبأ بـ “صعود الصين وآسيا تدريجيا، وبصمت، وبدون هرج ومرج”. في الوقت الذي كان فيه الغرب في قمة هيمنته، كان المنجرة يرى بوضوح أن مركز الثقل العالمي سيتحول نحو الشرق.

لم تقتصر تنبؤاته على الصين، بل شملت العالم العربي أيضاً. لقد حذر من أن “الإهانة لا يمكن أن يقبلها شعب لفترة طويلة، والدفاع عن الكرامة لا يمكن إلا أن يثير ردود فعل قد تكون عنيفة”. وقد تحققت هذه التنبؤات بشكل صادم مع اندلاع ثورات الربيع العربي، التي كان المنجرة قد تحدث عنها قبل حدوثها بعشر سنوات.

كما تنبأ بتفكك النظام الدولي وانحسار الهيمنة الغربية، معتبراً أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من الصراع الحضاري. في كتابه “الحرب الحضارية الأولى” (1991)، كان المنجرة يرى أن الصراع القادم لن يكون بين دول، بل بين حضارات وقيم.

كيف يعيش المنجرة بيننا اليوم؟

رغم رحيل المهدي المنجرة في 13 يونيو 2014، إلا أن فكره لا يزال حياً بيننا. ففي كل مرة نشهد فيها حدثاً عالمياً كبيراً، يعود اسمه إلى الواجهة. لقد تنبأ بانهيار الاتحاد السوفييتي، وحرب العراق، والثورات العربية، وصعود الصين، وتراجع النفوذ الغربي. هذه التنبؤات لم تكن ضرباً من الغيب، بل كانت نتاج منهج علمي رصين، قائم على تحليل التاريخ والاقتصاد وعلم الاجتماع.

يقول أحد الباحثين: “المهدي المنجرة هو واحد من الرواد الأهم لعلوم المستقبليات في العالم العربي”. إنه ليس مجرد مفكر عابر، بل هو مؤسس حقيقي لعلم الاستشراف في المنطقة.

لماذا يجب أن تقرأ كتبه وإسهاماته؟

إذا كنت تريد أن تفهم العالم الذي نعيش فيه اليوم، فعليك أن تقرأ للمهدي المنجرة. ليس لأنه كان “نوستراداموس العرب”، بل لأنه كان عالماً اجتماعياً واقتصادياً من طراز رفيع، يمتلك الأدوات التحليلية التي تمكنه من قراءة تحولات التاريخ.

في كتبه، مثل “نظام الأمم المتحدة” (1973) و”الحرب الحضارية الأولى” (1991) و”الإهانة في عهد الميغا إمبريالية” (2003)، يجد القارئ تحليلات عميقة للعلاقات الدولية، وهياكل السلطة، وأسباب تخلف المجتمعات العربية. المنجرة لم يكن متشائماً، بل كان واقعياً، يرى بوضوح نقاط الضعف والقوة في العالم العربي، ويشير إلى طريق النهوض.

ما يميز المنجرة أيضاً هو منهجه العلمي وتعددية الطرح المبنيان على مرجعية قيمية أخلاقية. لم يكن يكتب من برج عاجي، بل كان مناضلاً من أجل الكرامة والحرية والعدالة.

رحلة عميقة في مسار الرجل

حياة المنجرة هي قصة تمرد على كل أشكال الهيمنة: هيمنة الاستعمار، هيمنة الإمبريالية، هيمنة الفكر الواحد. لقد دفع ثمن مواقفه غالياً، لكنه ظل متمسكاً بمبادئه حتى النهاية.

لقد آمن المنجرة بأن “الثقافة المستقلة والاعتماد الذاتي في التنمية” هما السبيل الوحيد لنهضة الأمة العربية. لم يدع إلى التقليد الأعمى للغرب، بل إلى استلهام ما هو مفيد مع الحفاظ على الهوية والقيم.

في رحلة المنجرة، نجد دروساً قيمة لكل من يريد أن يفهم العالم، ويساهم في تغييره نحو الأفضل. إنه نموذج نادر للمفكر العضوي، الذي لم يكتفِ بالنقد، بل قدم رؤية واستراتيجية للنهوض.

المصادر والمراجع

الجزيرة نت – “المهدي المنجرة.. مفكر الكرامة الذي حذّر من الإهانة وتنبأ بالانتفاضة” (2021)

ويكيبيديا – “المهدي المنجرة”

محاضرة د.المهدي المنجرة: الدراسات المستقبلية – مكناس 1993

SoundCloud – “من أروع أقوال الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله عن سر تقدم الصين”

Noonpost – “أساطير ولكن لا نعرفهم” فلاسفة المسلمين في العصر الحديث (2)

Leave a Reply

Your email address will not be published.