كيف تحوِّل ساعات العمل الإضافية والعمل الليلي جسدك إلى قنبلة موقوتة من التوتر والأمراض؟

كيف تحوِّل ساعات العمل الإضافية والعمل الليلي جسدك إلى قنبلة موقوتة من التوتر والأمراض؟

المشهد قد يكون مألوفاً: غرفة مكتب مكتظة بالملفات، أكواب القهوة الفارغة، وعينان منهكتان تحدقان في شاشة الكمبيوتر. كثيرون يعتقدون أن العمل لساعات طويلة هو السبيل الوحيد للترقية والنجاح. لكن نتائج تحليل علمي ضخم نُشر مؤخراً في مجلة The Lancet، ضم بيانات أكثر من 600 ألف شخص من أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا، كشفت عن حقيقة مرعبة: الذين يعملون 55 ساعة أسبوعياً أو أكثر يرتفع لديهم خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 33% مقارنة بمن يعملون 35-40 ساعة فقط. كما يرتفع خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية بنسبة 13%، وهو رقم لا يستهان به بالنظر إلى الأعداد الهائلة من الموظفين حول العالم.

لكن الأرقام لا تقف عند هذا الحد. الأبحاث التي أجرتها جامعة وارويك (University of Warwick) بالتعاون مع خبراء من معهد الصحة والطب بباريس، ونُشرت في مجلة eBioMedicine التابعة لمجموعة لانسيت في أبريل 2026، كشفت أبعاداً جديدة وخطيرة للإرهاق المهني. فباستخدام أجهزة استشعار متطورة لمراقبة جودة النوم ودرجة حرارة الجسم لعشرات العاملين في المستشفيات الفرنسية، تبين أن العمال الليليين يعانون من اضطراب شديد في إيقاع الساعة البيولوجية، ويفقدون أكثر من نصف جودة نومهم مقارنة بزملائهم في النهار. والأكثر إثارة للقلق هو أن هذا الاضطراب لا يختفي مع الوقت؛ فالذين قضوا سنوات طويلة في العمل الليلي لا تتحسن حالتهم، بل تزداد سوءاً، وهو ما ينفي الأسطورة القائلة بأن الجسم “يتكيف” مع أنماط العمل غير التقليدية.

هذا الانتهاك الممنهج لإيقاع الجسم الحيوي يقود إلى سلسلة من الكوارث الصحية المتسلسلة: ضغط دم مرتفع، التهاب مزمن في جدران الأوعية الدموية، اضطرابات في التمثيل الغذائي تزيد من خطر السمنة والسكري، إضافة إلى تثبيط جهاز المناعة الذي يفتح الباب أمام الأمراض المعدية. وأظهرت تحليلات جامعة وارويك أن العمال الليليين يعانون من تشتت في درجة حرارة الجسم الأساسية، مما يعني أن ساعتهم البيولوجية الداخلية لا تعمل بتناغم مع بقية أعضائهم الحيوية.

ما يجعل هذه الأزمة أشد خطورة هو أنها لا تقتصر على العمال اليدويين أو من يعملون في المصانع، بل طالت الموظفين المكتبيين الذين يجدون أنفسهم مجبرين على متابعة المهام عبر البريد الإلكتروني حتى ساعات متأخرة من الليل. أصبح “العمل الإضافي المستتر” جزءاً من ثقافة الشركات العالمية، حيث يُنظر إلى من يغادر مكتبه في الوقت المحدد على أنه غير مخلص.

يقول الباحث المسؤول عن الدراسة من جامعة وارويك، البروفيسور باربل فينكنشتادت: “ما زالت هناك فكرة راسخة بأنك إذا عملت بنظام الورديات/المناوبات الليلية فسوف تعتاد عليها في النهاية. لكن بحثنا يظهر عكس ذلك تماماً. حتى أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة يعملون ليلاً لا تتكيف أجسادهم أبداً”. هذه النتائج تفرض إعادة نظر شاملة في قوانين العمل حول العالم، وتدق ناقوس الخطر أمام الحكومات والشركات بأن زيادة الإنتاجية لا يمكن أن تكون على حساب صحة الملايين. السؤال الحقيقي الآن ليس “كم ساعة تعمل؟”، بل “كم سنة ستعيش بعد هذه الساعات؟”.

المراجع والمصادر:

“How Extended Work Hours Increase Stroke and Heart Disease Risk”, MedIndia, 10 mars 2026. medindia.net

“Shift workers ‘can’t all adjust to a night shift’: new research”, University of Warwick, 21 avril 2026. warwick.ac.uk

“长工时对职业人群健康影响的研究进展”, Oher.com, 30 avril 2026. oher.com.cn

“Working 55 hours per week or more” UCLA Fielding, 9 mars 2026. ph.ucla.edu

Leave a Reply

Your email address will not be published.