افتتاحية الثعلب (51)

افتتاحية الثعلب (51)

ساعةٌ راحة ممدودة لا تُباع بدراهم معدودة

في ربوةٍ خضراء، حيث لا صوتَ يعلو على صوت الريح الناعم، ولا حكايةَ تسبق حكايةَ الغيم الهائم.

من دواعي سروري أن أكتب لكم في كل مرّة تجود بها رأسي المطرقة بدروس الأيام، وما احتملت به من دواهي وصروف الزمان. ومما يدل على أنني ثعلبٌ مواظبٌ على عادته، هو أنني لا أملّ من الإطلالة عليكم كلما سنحت الفرصة، وجادت الرأس بالفكرة.

أنا الآن ممددٌ في ربوةٍ خضراء، أتحلّم بعد وجبةٍ دسمة، لا شيء يزعجني هنا، فأنا مرتاحٌ بعد هناء البطن بشبعها، وجذلي بجو صيفي يقترب وشمسه الدافئة التي تشتد قبل دخول الأجواء الصيفية. آه.. ما أجمل السكون في ضيافة الطبيعة! ولا شيء يسرّ كالسكينة والطمأنينة، ودغدغة العشب الرطب في فروي، وإحساسي بالنعاس اللذيذ الذي يطيب. من تثاؤبي وكسلي، وإطلاقي لأذنيّ تسرحان مع ريحٍ خفيفة، تجلب لي كل الروائح القريبة والبعيدة.

ما أجمل أن تحملق في السماء الزرقاء حتى تضيع بين زرقتها، وتملّ من زرقتها، وتطلق عينيك في فسيفساء الحقول والمرابي والجبال، وفي مرامي الأنهار. وتلمح من بعيدٍ مزارعين يدبّون في أرضهم، يجمعون ما كدّوا فيه، ويكسرون روتين يومهم في أنشطتهم المعتادة في البيادر ومع المواشي، فيما أبناؤهم يسرحون ويمرحون، وضجيجهم ينغّض جلستي بين الفينة والأخرى.

هذا هو ديدني كلما سنحت الفرصة وجادت، فنحن معشر الثعالب من أصحاب الفكّ والمخالب، لا نطلب الراحة إلا إذا شبعت البطن، ووجدنا ضالتنا في الاستلقاء والتمطّط، واللعب مع الحشرات في الهواء وتلك الخارجة من بطن الأرض، أو التهاء بذيلي المنفوش الذي يرقص على إيقاع الريح.

لكن.. في هذا اليوم، وأنا ممددٌ هكذا، راودني سؤالٌ لم يخطر ببالي من قبل: هل هذه اللحظة تُحصى؟ هل يُمكن لشمسٍ دافئة، ونسمةٍ عليلة، وشبعٍ هانئ، وهدوءٍ شامل، أن تُوزن بميزان؟ وهل يُمكن لساعةٍ كهذه أن تُباع أو تُشترى؟ طبعاً لا. فاللحظات التي تُشترى لا تساوي شيئاً، وتلك التي تُعاش تُصبح كنزاً لا يفنى.

في الغابة، تعلمت أن الأيام لا تُقاس بما نفعله، بل بما نشعر به ونحن نفعل. فالحرث لا يساوي شيئاً دون فرحة الحصاد، والبحث عن الطعام لا قيمة له دون متعة الأكل تحت ظلّ شجرة. والمشي لا يُعدّ رحلةً دون التوقف مراراً للاستماع إلى خرير الماء، أو مراقبة نحلةٍ تتنقل بين الأزهار، أو مداعبة نملةٍ تحاول جرّ فتات خبزٍ أكبر منها.

كم من مرةٍ مررنا بأيامٍ كاملةٍ ونحن لا نتذكر منها شيئاً، وكم من لحظةٍ عابرةٍ بقيت عالقةً في الذاكرة إلى الأبد؟ هذا لأن الحياة ليست في الكمّ، بل في الكيف. ليست في العجلة، بل في التوقف. ليست في الانشغال، بل في الحضور.

اليوم، اخترتُ ألا أفعل شيئاً. اخترتُ ألا أبحث، ولا أخطط، ولا أعدّ. اخترتُ فقط أن أكون هنا، في هذه الربوة، تحت هذه السماء، مع هذه الريح، وهذا العشب. اخترتُ أن أترك نفسي تُسرح، وأن أمنح روحي فرصةً لتلتقط أنفاسها، وأن أستمع إلى ما تهمس به الطبيعة في أذنيّ: “أنت لست مضطراً لأن تكون دائماً في سباق. أنت لست مضطراً لأن تكون دائماً في صراع. أنت لست مضطراً لأن تكون دائماً في بحثٍ عن شيءٍ ما. أحياناً، أجمل ما يمكنك فعله هو أن تجلس وتتأمل، وتترك للحياة أن تفعل ما تفعله، دون أن تتدخل.”

ولله درّ القائل: “ليس الخبر في أن تعيش طويلاً، بل في أن تعيش لحظةً كاملةً، تشعر فيها بأنك حيّ حقاً.” وهنا، في هذه الربوة، شعرت بأنني حيّ. ليس لأنني أفعل، بل لأنني أشعر. ليس لأنني أملك، بل لأنني أكون.

إلى هنا، أترككم حتى أدع لتسليتي مجالاً، كي أستمتع بها قدر الاستطاعة. فلا شيء يدوم، ولا شيء يعلق بالبال سوى راحة بالٍ ماتعة، أو ألمٍ شديد، وشتانَ شتان بينهما.

تمتعوا من فضلكم بكل فرصة راحةٍ تجدونها بين دفاتر الأيام. لا تنسوا أن تستمتعوا باللحظة، فهي رحمةٌ فيما يرضي جوانح أرواحنا المتعبة بروح المسؤولية والاجتهاد في يمّ الحياة العنيدة.

أراكم لاحقاً، أعزائي القراء والقارئات، وفي رعاية الغابة، وحكمة الريح، ودفء شمسٍ لا تغيب عن قلوبٍ تعرف كيف تتوقف.

في الغابة، الطريق الوحيد الذي يستحق السير فيه هو الذي لا يحتاج إلى سرعة… بل إلى خطواتٍ تستمتع بالتراب تحت قدميها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.