ثراء الصورة وفقر اللغة لدى الجيل الصاعد

إطار صور مع أيقونات الشبكة الاجتماعية، تصميم عصري مجرد لإعلانات وسائل التواصل الاجتماعي

مما يتقاذفك موجه وأنت تطالع مواقع التواصل الاجتماعي على تنوعها، هو ابتلائنا اليوم بالكمية الهائلة في شقيها الثابت والمتحرك، وأنا هنا أقصد الصورة الملتقطة عبر المصورات والكاميرات، وتلك التي تتحول إلى فيديوهات. الصورة أضحت كلاما منطوقا يبوح بآلاف المعاني التي قد لا يبوح بها الكلام دوما، وقد يحتاج في شرحها إلى خوض طويل المدى في انتظار أن يجود زماننا ب”قارىء في الحكاية” بتعبير أمبرطو إيكو، والذي يتنكب استشكاف النص بغض النظر عن طوله ومعانيه الثاوية والظاهرية.

أنا هنا لا أميز بين قارىء شغوف، يزيل دهشة النص وهي عنده عادة مستمرة، وبين “لاقارىء” إذا جاز التعبير – وما أكثرهم/هن اليوم – بل ما أرومه أن الغالبية اليوم تطغى عليها “ديكتاتورية الصورة” شاء منهم من شاء وأبى ذلك من أبى.

اللغة باستمرار هي وعاء لمضامين الروح والأحاسيس، وهي تعبير عما يخالجنا من كلام نحوله إلى نص نكتشف عبره أثير الحياة باستكشاف اللامنطوق وتحويله إلى منطوق، وهي رحلة أشبه بالحياة بعد الموت، أو لنقل، هي تجسير للمعنى بين عالمين ؛ افتراضي-محسوس وآخر واقعي-محسوس.

الفقر الذي يغالبنا بعد كل هذه المعركة الضروس التي نخوض مع واقع الصورة، الرمزية منها والعميقة، هي واقع لا يمكننا القفز عليه كما يفعل البطل الأولمبي، ولا هو بالشيء الهين الذي يمكن تداركه في السنوات القليلة المقبلة خصوصا مع سرعة الرياح العاتية في تقدم وسائل التواصل وانخراطها في محيطات الذكاء الاصطناعي الشاسع الذي لا حصر لتنبؤاته.

أن تجد اليوم فقرا في التعبير، بل جيلا غالبيته يعاني من صعوبة التعبير عما يخالجه سواء بالكتابة أو الكلام أو الاحتجاج أو الانفعال أو غيره من التعبيرات، سيظل معه للأسف حبيس ركن الأنفس والفضاء الافتراضي، وربما هو يعطينا منذ اليوم هذا التشوه الذي نلاحظه عندما نصادف مواطنا في الشارع أو فيديو لمواطن أو مواطنة يقولان كلاما مسطحا وغريبا بل لا يتجاوز تعبيرهما حد بعض الكلمات السطحية أو الساذجة من قبل الغالبية، أو التي لا تكفي للتعبير الحقيقي عن الظاهرة أو المشكلة أو لا تكاد تصل الغاية والمطلوب بشكل مناسب على الأقل.

هنا نعود إلى فكرة القراءة والتوعية والثراء اللغوي، وهي الأشياء التي نفتقدها اليوم أو نكاد نفقدها، فلا باللغة لغة، ولا بالوعي السابق للغة هو بوعي، بل فقط هي كلمات سريعة ومستهلكة بل وأحيانا غريبة ولا يمكن بحال أن تسعفنا إلا في فهم من ينطقها، ولا تسعفنا أبدا في فهم منطقها، فهي بالأحرى تحيلنا على مشكلة قادمة لا محالة ألا وهي فقر الرصيد اللغوي، وهو فقر مدقع من نوع جديد ينتظر الدعم الحقيقي.

من يطالع فهو يكتشف، ومن يقرأ فعلا فهو يطرد الغشاوة، ومن لا يفعل ذلك فهو حتما أشبه بمواطن محبوس في قارورة مرمية في فلوات المحيطات، فلا هو يكاد يبين ولا يمكنه فهم عالمه، بل هو غريب حتما عن عالمه ولو كان بينه وبين عالمه هاتف ذكي أو شاشة تلفاز من طراز رفيع أو أي وسيط آخر.

من كل ما سبق تتجلى الحقيقة المرة من بين أزمات القرن بجانب التصحر والجفاف والتغير المناخي، أيضا التغير التعبيري/اللغوي، ومنه ضرورة التعجيل بدراسة ظاهرة الفقر/الانحباس اللغوي، فلا المواطن عندنا أضحى يقول لغة مفهومة، ولا هو أصبح يدرك العالم في لغته المفهومة وغير المفهومة وهذه أزمة/أزمات أخرى.

يقول أمبرطو إيكو بأن الكاتب هو الذي يجلب الجمهور للانخراط في عالمه/عوالمه، وليس العكس، أي لا يجب أن يكون الكاتب ممن هم تحت طلب/رحمة الجماهير، فلا الجماهير ستتعلم، ولا الكاتب سيتنفع، وأنا هنا لا أقصد الشهرة ولا المال بصيغتهما اليوم، بل أقصد الشهرة الحقيقية لا المزيفة، وهذا ما تفعله الصورة بل تُأتي عكسه تماما.

الفقير لغويا هو إنسان غير قادر على التعبير، لأن لا يقرأ وله نصيب فقط من الصورة غير المكتملة، خصوصا مع الهجوم الضاري لوسائل الإعلام والترفيه والتواصل الاجتماعي، حيث أضحى مطلوبا ومستعجلا في عالم اليوم فهم مصطلحات الخبرة والحداثة والجغرافية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل حتى الرياضية وغيرها. الغريب أن الكلام الذي يدور في غالبه كلام أجوف وضال ومضلل وعبثي أحيانا، خصوصا مع صعود الشعبويات السياسية في العالم، وكذا انبثاق عهدة التفاهة والتسطيح.

لا ينبغي أن نختم إلا بالعمل والأمل، ولا بد أن ترجع للغة هيبتها وأن يجهد ويجد (من الجد) نفسه مواطن وجيل اليوم/الغد في سبيل تحرير لغته من سجن الافتراضي والعولمة/القولبة الرديئة، وأن ينير جهل رصيد قاموسه الضحل بفانوس الاطلاع والسؤال والاكتشاف، وما العلم إلا فضول، بل هو من أفضل/أرقى أنواع الفضول، في مواجهة الردة والنكوص والأفول.

Leave a Reply

Your email address will not be published.