زيارة كانت في حكم المؤجل.. وأصبحت «مبرمجة» على لسان بوريطة
بعد سنوات من الترقب والتأجيل والبرود الدبلوماسي، خرج وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الفرنسي جان نويل بارو، من العاصمة الرباط يوم الأربعاء 20 مايو 2026، ليعلنا خبرًا أثارت أصداؤه قصر الإليزيه ومجلس الوزراء الفرنسي: الملك محمد السادس سيقوم بزيارة دولة رسمية إلى باريس، تحمل معها «معاهدة غير مسبوقة» من نوعها، يصفها الدبلوماسيون بأنها ستكون نقطة تحول في العلاقات المغربية الفرنسية لعقود قادمة.
الأهم أن الزيارة لم يعد الحديث عنها بصيغة «مرتقبة» أو «محتملة»، بل استُخدم مصطلح «مبرمجة» (programmée) ست مرات في المؤتمر الصحفي، وهو ما يفيد، في لغة الدبلوماسية، أن الأوان قد حان لطي صفحة الخلافات، وفتح فصل جديد من التعاون الاستراتيجي.
في هذا التحقيق الصحفي العميق، نكشف الخلفيات الجيوسياسية والاقتصادية لهذه الزيارة، ونحلل ما سيُكتب في المعاهدة الثنائية التي ستكون «الأولى من نوعها لفرنسا مع بلد غير أوروبي»، ونستعرض ردود فعل الأوساط السياسية المغربية والفرنسية.
أولًا: «اللجنة العليا» مفتاح الزيارة.. ولماذا شهر يوليوز 2026 سيكون نقطة الصفر؟
بحسب الإعلان الرسمي، فإن الزيارة الملكية إلى باريس لم تُحدد بعد، لكن ما هو مؤكد أن اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين سينعقد في شهر يوليوز المقبل (خلال أقل من شهرين)، برئاسة رئيسي وزراء البلدين.
هذه اللجنة، التي طالما اعتُبرت آلية الحوار الاستراتيجي الأعلى بين الرباط وباريس، طال انتظارها منذ سنوات، حيث كانت إحدى نقاط الخلاف الكبرى بين البلدين، إذ سبق أن أرجأت فرنسا عقدها أكثر من مرة تحت ضغوط جزائرية. والمؤكد أن انعقادها في يوليوز سيكون بمثابة المفاعيل الأولى للزيارة الملكية، وسيشهد توقيع اتفاقات أولية، تُمهد للمعاهدة الختامية التي سيوثقها الملك بصفته صانع القرار الأول.
يقول محمد نشطاوي، خبير العلاقات الدولية، في حديث له لموقع هسبريس، إن “هذه الزيارة تستحضر التاريخ المشترك بين البلدين وأيضًا المستقبل، خصوصًا وأن العلاقات بين البلدين عرفت في المرحلة الأخيرة تطورًا نوعيًا عقب الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء”.
ثانيًا: «المعاهدة المغربية الفرنسية».. لماذا هي «غير مسبوقة»؟
أبرز ما يميّز هذه الزيارة هو ما أعلنه بوريطة بصفة قاطعة: ستكون أول معاهدة من نوعها للمغرب مع دولة أوروبية، وبالمقابل هي الأولى من نوعها لفرنسا مع بلد غير أوروبي. هذا يعني أن الإطار القانوني الذي سيحكم العلاقة بين البلدين سيخرج عن البروتوكولات التقليدية، ليضع أسس تحالف استراتيجي طويل الأمد يغطي مجالات الاقتصاد، الدفاع، الثقافة، والهجرة.
ما تزال ملامح المعاهدة سرية، لكن مصادر دبلوماسية تشير إلى أنها ستتضمن بنودًا تتعلق بالاعتراف المتبادل بالسيادة، وتأمين استثمارات ضخمة بقطاعات الطيران والصناعات الدفاعية، وربما ممرات جديدة للطاقة تنقل الغاز والهيدروجين الأخضر من أفريقيا إلى أوروبا عبر المغرب. يُضاف إلى ذلك، أن هذه المعاهدة تمنح باريس شرعية أخلاقية في ملف الصحراء، وتجعل الرباط شريكًا مفضلاً بدل الجزائر، التي تدهورت علاقاتها مع باريس بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.
ثالثًا: لماذا الآن؟ جيو-سياسية الزيارة في سياق إقليمي متأزم
على الصعيد الإقليمي، جاء الإعلان عن الزيارة في لحظة فارقة، حيث يشتعل الشرق الأوسط بحرب إيران وإسرائيل، وتتسارع الجهود الأوروبية لتعزيز أمنها الطاقي، وتتصاعد حدّة التوتر بين الجزائر وفرنسا بعد تقارب الأخيرة مع الرباط. في هذا السياق، تدرك باريس أنها لم تعد قادرة على استمرار سياسة «التوازن» بين المغرب والجزائر؛ إذ باتت العلاقات الفرنسية الجزائرية تفتقر إلى ركائز أساسية، حسب تعبير المحللين، بينما ترتكز العلاقة مع المغرب على «روح التعاون» والتاريخ المشترك.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء (صيف 2024) كان قد فتح الباب أمام مرحلة جديدة، لكنه كان بحاجة إلى تتويج سياسي رفيع المستوى يُخرج القرار من دائرة البيانات إلى أرض الواقع. وهنا يأتي دور زيارة الملك: إنها الرسالة الأقوى إلى المجتمع الدولي بأن باريس اختارت بوضوح دعم الوحدة الترابية للمغرب، وأن أي تراجع عن ذلك سيكلفها غاليًا. كما تُعتبر فرصة لإعادة رسم خارطة النفوذ الفرنسي في أفريقيا، الذي اهتز بقوة بعد تدخل مجموعة فاغنر الروسية وتراجع النفوذ التقليدي لفرنسا في منطقة الساحل.
رابعًا: ردود فعل مغربية: لا بد من انتزاع اعتراف صريح
على المستوى الداخلي، كان الإعلان بمثابة صدمة إيجابية للأوساط السياسية المغربية، وإن رافقه حذر من أن تمرر باريس التزامات اقتصادية بدون تقديم تنازلات سياسية كافية. فقد عبّر عدد من المتابعين في منصات التواصل الاجتماعي عن رغبتهم في أن تتضمن المعاهدة إلغاء معاهدة «إكس ليبان» القديمة التي تمنح فرنسا امتيازات اقتصادية استعمارية في قطاعات الفوسفاط والمياه.
من جانبه، اعتبر الباحث عباس الوردي، أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن هذه الزيارة تمثل تتويجًا لجهود دبلوماسية مكثفة، مشيرًا إلى أن “إعلان ماكرون دعم مغربية الصحراء عجل بدينامية واسعة لتأطير هذه العلاقة، وأن الزيارة ستكون فرصة حقيقية لتجاوز التداعيات السلبية للخلافات السابقة”.
أما مصطفى الخلفي، القيادي بحزب العدالة والتنمية، فقال في تصريح لقناة فرانس 24 إن “المغرب ينتظر من فرنسا موقفًا واضحًا لا لبس فيه، ليس فقط في الصحراء، بل في الاعتراف بشراكة متساوية تحترم سيادة المغرب على قراراته”.
خامسًا: ملفات شائكة تنتظر الحسم: الصحراء، الهجرة، والاستثمار
رغم الأجواء الإيجابية، تبقى بعض الملفات الصعبة التي لم تُحسم بعد، وأبرزها:
ملف الصحراء: ما زالت فرنسا تتحفظ نسبيًا في المحافل الأممية، ولم تصوت بشكل صريح لصالح مقترح الحكم الذاتي.
ملف الهجرة: تطالب باريس بتعزيز التعاون الأمني لترحيل المهاجرين غير النظاميين، بينما تشترط الرباط ربط ذلك بتسهيل تأشيرات الطلبة والأطر المغربية.
الاستثمارات الضخمة: يُتوقع أن تُبرم خلال الزيارة عقود بقيمة تصل إلى 100 مليار دولار في قطاعات متعددة، تشمل الطيران المتطور، وصناعة السيارات، والهيدروجين الأخضر.
ومع ذلك، فإن نجاح الزيارة سيقاس بمدى قدرة الطرفين على تجاوز هذه الخلافات وتحويلها إلى فرص. اللافت أن وزير الخارجية الفرنسي بارو أشار إلى أن «المعاهدة تهدف لوضع إطار للعلاقة المغربية الفرنسية خلال العقود المقبلة»، مما يعني أن الطموح أكبر من مجرد اتفاقات آنية.
الرباط تراهن على «زيارة دولة» تليق بمكانة عاهل البلاد
في المحصلة، يمكن القول إن الزيارة الملكية إلى باريس، وإن تأخرت كثيرًا، تأتي في أفضل توقيت ممكن، حيث العلاقات في أوج ازدهارها بعد اعتراف ماكرون بمغربية الصحراء. لكن تظل «المعاهدة المغربية الفرنسية» هي الورقة الرابحة التي ينتظرها صناع القرار بالرباط؛ فطالما ظلت القناعة الفرنسية بأن التعامل مع المغرب كقوة إقليمية صاعدة هو السبيل الوحيد للحفاظ على نفوذها في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
الكل يترقب الآن يوليوز المقبل، موعد انعقاد اللجنة العليا، والذي سيكون الاختبار الحقيقي لمدى جدية الإدارة الفرنسية في تحويل الوعود إلى أفعال. ثم بعدها، سيكون الملك في باريس، حاملاً معه قلم التوقيع على معاهدة من المنتظر أن تغيّر وجه العلاقات الثنائية إلى الأبد. إنها فرصة باريس الأخيرة لاستعادة ثقة الرباط، وفرصة الرباط لتثبيت مكتسباتها الدبلوماسية في عواصم القرار الأوروبي.
المصادر والمراجع:
إعلان وزارة الخارجية المغربية، الرباط، 20 مايو 2026 – عبر مؤتمر صحفي مشترك.
وكالة مونت كارلو الدولية (MC-Doualiya) – “المغرب وفرنسا يعلنان زيارة دولة للملك محمد السادس إلى باريس”، 20 مايو 2026.
هسبريس (Hespress) – “بوريطة وبارو يكشفان تفاصيل زيارة مرتقبة للملك محمد السادس”، 20 مايو 2026.
لو فيغارو (Le Figaro) – “Paris et Rabat annoncent une visite prochaine du roi du Maroc Mohammed VI en France”,21 مايو 2026.
Paris Match – “Mohammed VI bientôt en France : Paris et Rabat annoncent une visite d’État et un traité inédit”.
فرانس 24 (France 24) – “ملك المغرب سيجري زيارة دولة إلى فرنسا”، 20 مايو 2026.
تقرير مؤسسة جان جوريس (Jean-Jaurès) – “De la diplomatie à l’incommunication, le cas franco-marocain”، 7 يناير 2026.
تحليل الخبير محمد نشطاوي، عبر موقع هسبريس، 21 مايو 2026.
تحليل الأستاذ عباس الوردي، جامعة محمد الخامس بالرباط، 21 مايو 2026.
تصريحات السفارة الفرنسية في الرباط حول “الزيارة الملكية”، 22 مايو 2026.

Leave a Reply