افتتاحية الثعلب (17)

افتتاحية الثعلب

الثعلب الأَخْيَلُ في مقطورة الجبل (3/3)

في المقطورة التحف الظلام من حوالي كستار غجري غامق، وكان الهواء يزلزل مسام أنفي بروائح خانقة، فيما تكيفت عيناي بسرعة عند دخولي للمقطورة، وانتقلت فيها بخفة بالغة بين أثاث قديم قدم المكان المنسي وعلوت كرسيا مقلوبا حتى أراقب المكان عن كثب. بَدَهَنِي أيضا مرآة ذات شقوق موضوعة بشكل منحرف على الحائط، فيما امتدت في المكان طاولة مغطاة بغبار رقيق أزكمت ذراته أنفي وأنا أقترب منها. جذبني المكان الملئ بالكآبة البادية المرمية في وسط الغاب، وكان وجودي في الداخل كغريب يحاول أن يخرج بفكرة أو سر عجيب يشاطره مع الغابة في الخارج.

في صدري قلب آخر غير الذي دخلت به، تحولات نبضاته المشبعة بالخوف من المجهول الغادر والغريب في المقطورة الغريبة، إلا أن نبضاتي تكيفت مع الحذر، وسرت في جسدي أحاسيس ثعلب ملقى في ماء بارد على غفلة منه. اتخذت مخالبي على رسلها في خطواتي مواقع المستعد، خطوة تتلوها خطوة بحذر بالغ، الأرض كانت خشبية ندية تئن مرات عندما تقع على إحدى الخشبات التالفة التي تصدر صوتا فأفقز إلى الوراء مفزوعا ومستروِعا خصوصا أن المكان كان مسكونا بسكون صارخ !!!

الحركة الصغيرة في ظل هذا السكون داخل المقطورة كانت أشبه بصوت دوي في عقلي، كنت أخاف من أي حركة عادية فما بالك بغير عادية، هذا شيء طبيعي في الخوف يا أصدقائي فاعذروني، بل مع كل حركة كنت أحسب أن المقطورة هي مجرد فخ للإيقاع بي من مجهول لست أراه، ترى من هو؟
أنا من صنف الثعالب الذي على استعداد للقفز من أدنى خطر، وفي هذه المقطورة كنت أطل من النوافذ خارجا وأتحسس المداخل والمخارج وأحملق في السقف، وأخشى من الهواء الداخل والخارج ! حقيقة، لم أر يوما شكلا كهذا مثل الذي تركه مخلوق غريب كالذي صنعه. انزلقت أخيرا إلى خارج المقطورة مراقبا إياها من خارج، وكأني ملكت الثقة بعدما خرجت نافذا بجلدي…

نظرت إليها نظرة مودع خجول وخائف متردد من معاودة الدخول كمعلن للهزيمة المدوية، فقد كانت فكرة معاودة الدخول ترومني لكن بخوف مجددا… نظرت إليها وأنا مولٍّ، ثم بعد هنيهة، لم أعبأ بها وغادرت متثاقلا وناظرا لها مودعا… ربما مرة أخرى أزورها وأتفقدها، وربما سيزروها مخلوق آخر بعدي..

صدقوا فعلا الغابة حبلى بالمفاجآت، وخصوصا المفاجآت الحبلى بذكريات الغموض والمجهول.

(تمت)

Leave a Reply

Your email address will not be published.