في ليلة استثنائية على أرضية قاعة الأمير مولاي عبد الله بالرباط، كتب المنتخب المغربي لكرة القدم داخل القاعة فصلاً جديداً في سجله القاري، بفوزه العريض على نظيره الجزائري بأربعة أهداف نظيفة (4-0)، في المباراة الافتتاحية للجولة الأولى من منافسات المجموعة الأولى ضمن نهائيات كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2026”. لم يكن الفوز مجرد ثلاث نقاط في رصيد حامل اللقب، بل كان بياناً كروياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ورسالة مباشرة إلى جميع المنافسين على أن طموح “أسود القاعة” لا يقتصر على المشاركة، بل على مواصلة الهيمنة القارية.
“الديربي” المغاربي: حين تتحول القاعة إلى مسرح للتفوق
وصف المدرب الوطني هشام الدكيك المباراة بأنها كانت بمثابة “ديربي خاص”، وشكلت أول لقاء مباشر بين اللاعبين والجماهير المغربية داخل القاعة المغطاة. هذا التوصيف ليس مجرد وصف عاطفي، بل يعكس حقيقة أن مواجهات المغرب والجزائر، في أي رياضة، تتجاوز الإطار الفني لتصبح صراعاً على المكانة الإقليمية. والفوز برباعية نظيفة، في مباراة افتتاحية، يمنح هذا التفوق بعداً نفسياً ورمزياً يتجاوز حدود الملعب.
الشوط الأول: فرض الإيقاع وترجمة الأفضلية
منذ صافرة البداية، فرضت العناصر الوطنية إيقاعها على مجريات اللعب، من خلال الضغط المتواصل والتحركات الهجومية التي أربكت دفاع المنتخب الجزائري، الذي اختار التراجع إلى الخلف ومحاولة الحد من خطورة الهجمات المغربية. وترجم “أسود القاعة” هذه الأفضلية الميدانية إلى أهداف ملموسة. في الدقيقة العاشرة، افتتح يونس مكارسي التسجيل، قبل أن يضيف يوسف جواد الهدف الثاني في الدقيقة الثانية عشرة، لينهي المنتخب المغربي الشوط الأول متقدماً بثنائية نظيفة. هذا التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاجاً لتفوق تكتيكي واضح، وانسجام بين الخطوط، وسيطرة كاملة على وسط الميدان.
الشوط الثاني: “هاتريك” جواد يحسم الرباعية
إذا كان الشوط الأول قد شهد فرض السيطرة، فإن الشوط الثاني كان مسرحاً للتأكيد. واصل المنتخب المغربي ضغطه الهجومي العالي، مستفيداً من سرعة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، في وقت واجه فيه المنتخب الجزائري صعوبة بالغة في مجاراة الإيقاع. وفي هذا السياق، نصب يوسف جواد نفسه “عريساً للقاء”، بعدما سجل الهدفين الثالث والرابع في الدقيقتين السادسة والعشرين والثانية والثلاثين، ليكمل ثلاثيته الشخصية (هاتريك) ويقود المنتخب الوطني إلى انتصار مستحق. هذا الأداء الاستثنائي جعل جواد يخطف الأضواء، ويكون النجم الأبرز في افتتاح مشوار حامل اللقب، وهو ما دفع اللجنة الفنية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) إلى اختياره رجل المباراة.
قراءة في الأرقام: ما وراء الرباعية
الرباعية النظيفة تحمل في طياتها دلالات فنية عميقة. فبينما أشار المدرب الدكيك إلى أن المباراة كانت جيدة في مجملها، رغم تضييع العديد من الفرص، فإنه اعتبر أن الأهم تمثل في إشراك كافة عناصر التشكيلة الوطنية وإعطائهم فرصة اللعب والدخول في أجواء التنافس القاري. هذا القرار ليس ترفاً تدريبياً، بل هو استثمار استراتيجي في عمق الفريق، ورسالة ثقة للاعبين البدلاء، وهو ما قد يثبت أهميته في المباريات المقبلة التي تتطلب جهداً بدنياً وذهنياً مضاعفاً.
من جهة أخرى، كشف الدكيك أن المنتخب الجزائري ركز بشكل كبير على الجانب الدفاعي لتفادي استقبال عدد أكبر من الأهداف، مضيفاً: “كانت ستكون النتيجة أكبر، ورغم ذلك نعلم دائماً أن الدفاع من قرب يشكل صعوبة”. هذه القراءة الفنية تؤكد أن الرباعية لم تكن سقف الطموح المغربي في هذه المباراة، بل كانت الحد الأدنى لما كان يمكن تحقيقه لو استُغلت جميع الفرص المتاحة. وهذا يعني أن المنتخب المغربي، رغم فوزه الكاسح، لا يزال يمتلك هامشاً للتطور، وهو ما يعزز فرصه في المنافسة على اللقب القاري الرابع توالياً.
الطريق إلى اللقب الرابع: المواعيد المقبلة
بهذا الفوز، حصد المنتخب المغربي أول ثلاث نقاط في البطولة، ليتصدر ترتيب المجموعة الأولى بفارق الأهداف عن المنتخب الزامبي، الذي فاز بدوره على نظيره الليبي بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد. ويستعد “أسود القاعة” لمواجهة زامبيا يوم الأربعاء 14 أكتوبر الجاري، في مباراة يسعون من خلالها إلى تعزيز موقعهم في صدارة المجموعة والاقتراب من حسم التأهل إلى الدور الموالي، قبل اختتام مشوارهم في هذا الدور بمواجهة ليبيا يوم الجمعة 16 أكتوبر. ويطمح المنتخب الوطني، من خلال هذه المشاركة، إلى مواصلة الدفاع عن لقبه الإفريقي وتأكيد مكانته ضمن أبرز المنتخبات في القارة، مستنداً إلى الانتصار الافتتاحي والأداء الهجومي الذي أظهره أمام الجزائر.
الرباعية في شباك الجزائر ليست مجرد نتيجة، بل هي إعلان نوايا من منتخب يعرف كيف يفوز، وكيف يحافظ على عرشه، وكيف يرسل رسائله في الوقت المناسب. وبالنسبة للجماهير المغربية، كانت ليلة الاثنين فرصة للاحتفال بتفوق رياضي يعكس، في نظر الكثيرين، تفوقاً أوسع في مجالات أخرى. وبالنسبة للمنافسين، كانت الليلة بمثابة إنذار شديد اللهجة: “أسود القاعة” لم يأتوا للدفاع عن اللقب فقط، بل لمواصلة الهيمنة.

Leave a Reply