حجم الموجة وأرقام غير مسبوقة
تشير المعطيات الرسمية إلى حجم غير مسبوق لهذه الموجة. ففي غضون أسبوع واحد فقط، وصل أكثر من 1,500 مهاجر إلى سبتة عن طريق السباحة، وهو رقم يعادل نحو 2% من إجمالي سكان المدينة البالغ 84 ألف نسمة. وفي ليلة استثنائية فاصلة بين الاثنين والثلاثاء 28 يوليو، تمكنت البحرية الملكية المغربية من اعتراض وإنقاذ نحو 300 مهاجر في عرض البحر، فيما تدخلت وحدات الحرس المدني الإسباني لإنقاذ حوالي 100 شخص آخرين، بينما تمكن أكثر من 50 مهاجراً من الوصول إلى شواطئ سبتة دون اعتراضهم.
وأفادت مصادر إعلامية إسبانية بأن الشرطة الإسبانية سجلت بيانات أكثر من 120 شخصاً بحلول الساعة التاسعة صباحاً من ذلك اليوم. وتواصلت محاولات التسلل البحري بشكل متتابع منذ ساعات الليل الأولى إلى غاية الصباح بمشاركة مهاجرين من جنسيات مختلفة، بينهم قاصرون ونساء وعائلات.
من هم هؤلاء المهاجرون؟
تشير التقارير إلى أن الغالبية العظمى من محاولي العبور هم شبان مغاربة، إلى جانب عدد محدود من الجزائريين الذين كانوا يقيمون في المغرب أثناء محاولتهم الهجرة إلى أوروبا. ومعظمهم من الفئة العمرية 18-30 سنة، بالإضافة إلى العديد من القُصّر. وتشير المعطيات إلى أن سبتة تؤوي حالياً نحو 700 قاصر غير مصحوب بذويه، بينما يستوعب مركز الاستقبال المؤقت للمهاجرين أكثر من 700 بالغ رغم أن طاقته الاستيعابية الرسمية لا تتجاوز 500 شخص. وأكد رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، أن مرافق استقبال القاصرين غير المصحوبين تعمل بنسبة 2,400% من طاقتها.
وفي مشهد لافت، كان بعض المهاجرين يهتفون “يعيش إسبانيا!” (¡Viva España!) أثناء دخولهم إلى الأراضي الإسبانية، في إشارة إلى اليأس الذي يدفعهم إلى اعتبار أي أرض أوروبية، حتى لو كانت جيباً صغيراً على الساحل الأفريقي، بوابةً للخلاص.
رحلة الموت: السباحة إلى المجهول
المسافة المائية بين السواحل المغربية وسبتة لا تتجاوز بضعة كيلومترات، لكنها أصبحت مقبرة للكثيرين. فوفقاً لرئيس حكومة سبتة، تم انتشال 60 جثة في البحر خلال العام الماضي. ومع هذه الموجة الأخيرة، ارتفع عدد الوفيات على سواحل سبتة خلال عام 2026 إلى 30 حالة، بعد أن انتشل الحرس المدني الإسباني جثة أخرى يوم الخميس 30 يوليو.
وتستخدم فرق الإنقاذ الإسبانية، بما في ذلك الحرس المدني الإسباني ومصالح الإنقاذ البحري والصليب الأحمر، القوارب لانتشال السباحين من المياه. وفي ليلة الخميس 30 يوليو، ومع تعقيد عمليات المراقبة بسبب الضباب، قامت الفرق الإسبانية بمساعدة 99 شخصاً، بينما اعترضت القوات المغربية مئات آخرين قبل إتمامهم العبور.
حكم قضائي مثير للجدل
في وقت سابق من يوليو 2026، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكماً (رقم 814/2026) قضى بأنه لا يمكن إعادة المهاجرين الذين يصلون عن طريق البحر فوراً عبر الحدود دون محاكمة عادلة، على عكس أولئك الذين يعبرون براً. وقد أثار هذا الحكم قلق سلطات سبتة، حيث رأى رئيسها فيفاس أن القرار شجع على تدفق المهاجرين عبر البحر.
واتهم وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي-مارلاسكا، شبكات التهريب باستغلال هذا الحكم القضائي لتشجيع محاولات العبور. وأكدت الوزارة أن هذه الشبكات كانت تشجع بشكل خاص الشبان على محاولة العبور.
لكن بعض النشطاء، بمن فيهم عمر الناجي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الشرق المغربي، أعربوا عن شكوكهم في أن يكون الحكم القضائي وراء هذه الموجة، مشيرين إلى أن معظم المغاربة قد لا يكونون على دراية بمثل هذه القرارات القانونية.
التوقيت السياسي وأصداء 2021
لافتاً هو توقيت هذه الموجة، التي جاءت بعد أيام من لقاء رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. وقد ذكر هذا التوقيت النشطاء بأزمة مايو 2021، عندما تدفق أكثر من 8,000 مهاجر إلى سبتة في يومين فقط، في خضم أزمة دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا إثر استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي لتلقي العلاج في مستشفى إسباني.
غير أن الحكومة الإسبانية نفت أن تكون الموجة الحالية مرتبطة بزيارة سانشيز إلى الجزائر، مؤكدة أن علاقاتها وتنسيقها مع المغرب في مجال الهجرة لا يزالان قويين. وأشاد وزير الداخلية الإسباني بالسلطات المغربية، واصفاً التعاون بين البلدين بأنه “وثيق وقائم على الولاء”.
استنفار أمني وتعاون مغربي-إسباني
استنفرت محاولات مئات المهاجرين مختلف الأجهزة المغربية والإسبانية. وأكدت المعطيات أن التدخلات المشتركة ركزت بالأساس على إنقاذ الأرواح وتفادي وقوع مآس إنسانية، خاصة مع اعتماد مجموعات كبيرة من المهاجرين على محاولات جماعية ومتزامنة للعبور.
وفي تطور لافت، توصل المغرب وإسبانيا إلى اتفاق لإعادة جميع المهاجرين الذين دخلوا سبتة بشكل غير قانوني خلال هذه الموجة، بما في ذلك القاصرين. وأشادت مدريد بـ”التعاون النموذجي” للمغرب، مؤكدة أن القوات الأمنية المغربية منعت آلاف محاولات الهجرة غير النظامية خلال هذه الحلقة.
دعوات لحالة طوارئ ورفض مركزي
في مواجهة هذا التدفق، دعا رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس الحكومة المركزية في مدريد إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية وإنشاء قيادة موحدة لتنسيق الأمن الحدودي وعمليات الإنقاذ والإيواء. وقال فيفاس في تصريح لإذاعة “كادينا سير” إن المدينة تعيش “وضعاً استثنائياً من الطوارئ الإنسانية والاجتماعية”.
وطالبت سلطات سبتة أيضاً بنشر وحدات عسكرية لدعم الأمن الحدودي وإغلاق معبر “تراخال” الحدودي مع المغرب مؤقتاً حتى يتم السيطرة على الوضع. غير أن الحكومة الإسبانية رفضت الطلب الأولي بتفعيل حالة الطوارئ الوطنية، مؤكدة أن تدفق المهاجرين لا يندرج ضمن الحالات التي يغطيها التشريع.
الجذور العميقة للأزمة
رغم الجدل حول الأسباب المباشرة لهذه الموجة، يشير خبراء ومنظمات إنسانية إلى أن الأسباب الجذرية أعمق بكثير. فالفقر والبطالة وانعدام فرص العمل تدفع الشباب المغربي إلى المخاطرة بحياته بحثاً عن مستقبل أفضل في أوروبا. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة البطالة بين الشباب المغربي لا تزال مرتفعة، مما يجعل الهجرة غير النظامية خياراً يائساً للكثيرين رغم مخاطره.
وتضاف إلى ذلك عوامل أخرى مثل سهولة الوصول إلى السواحل الشمالية للمغرب، وقربها الجغرافي من الأراضي الأوروبية، ووجود شبكات تهريب منظمة تستغل يأس الشباب وتحول أحلامهم إلى سلعة مربحة.
سبتة: بوابة أوروبا الأفريقية
تكتسي سبتة أهمية استراتيجية خاصة في معادلة الهجرة غير النظامية. فالمدينة، التي تعتبرها المملكة المغربية أرضاً مغربية محتلة، تمثل مع مليلية المعبر البري الوحيد بين إفريقيا وأوروبا. وهذا الموقع الفريد يجعلها هدفاً استراتيجياً للمهاجرين من مختلف الجنسيات الأفريقية.
وتشهد المدينتان بانتظام موجات من محاولات العبور، خاصة خلال فصول الصيف عندما يكون الطقس ملائماً للسباحة. لكن ما يميز الموجة الحالية هو حجمها غير المعتاد واستمراريتها لعدة أيام متتالية، مما دفع السلطات المحلية إلى وصفها بأنها الأسوأ منذ أزمة 2021.
نحو أفق مسدود أم أن 5 كيلومترات سباحة أهون من انتظار وعود حكومية لخمس سنوات ؟
تبقى التساؤلات حول مستقبل هذه الموجة مفتوحة. فالاتفاق المغربي-الإسباني لإعادة المهاجرين قد يخفف الضغط على مراكز الاستقبال في سبتة، لكنه لا يعالج الأسباب الجذرية للهجرة. كما أن الحكم القضائي الإسباني الذي قيد عمليات الترحيل الفوري قد يشكل سابقة قانونية تؤثر على سياسات الهجرة في المستقبل.
وفي غضون ذلك، يستمر الشباب المغربي في المخاطرة بحياته في البحر، بينما تتصارع الحسابات السياسية والأمنية والإنسانية على ضفاف المضيق. ويبقى السؤال الأكبر: كم من الأرواح الإضافية ستُزهق قبل أن تجد أوروبا والمغرب معاً إجابة حقيقية لهذا اللغز المتكرر؟
: المصادر والمراجع
رويترز – “Thousands of migrants cross into Spain’s Ceuta on foot”, 30 يوليو 2026
أسوشييتد برس – “Hundreds of migrants are swimming from Morocco to Ceuta”, 29 يوليو 2026
هسبريس (Hespress) – “Ceuta faces another night of mass swimming crossings from Morocco”, 30 يوليو 2026
هسبريس (Hespress) – “Morocco, Spain agree to return all migrants who arrived to Ceuta illegally”, 30 يوليو 2026
هسبريس (Hespress) – “Ceuta seeks army deployment and border closure over migrant surge”, 30 يوليو 2026
اليوم 24 – “في ليلة استثنائية.. استنفار مغربي إسباني بعد أكبر محاولة عبور جماعية نحو سبتة المحتلة”, 29 يوليو 2026
فرانس 24 – “Hundreds of migrants enter Spain’s north African territory Ceuta from Morocco”, 30 يوليو 2026
العربي الجديد – “مسار سبتة… حين يتحوّل حلم الهجرة نحو أوروبا إلى مأساة”, 30 يوليو 2026
الوسوم: #سبتة #الهجرة_غير_النظامية #المغرب #إسبانيا #أزمة_الهجرة #المهاجرون

Leave a Reply