“حكاية النهار الذي لم ينتهِ”
ليلة من الليالي الصائفة الصافية…
كان النهار قد انتهى، لكنه لم يرحل.
كان هناك بقايا منه عالقة في الأفق، كخيط من ضوء ذهبي لم يجد طريقه إلى الغياهب. تقرفص الثعلب تحت ظلية شجرة الزيتون العتيقة الشاهدة مثل الجدات على مرور الزمن البطيء للحياة في الغاب، تلك التي شهدت ولادته، ورحيل أمهات كثيرة قبله. كان الليل ينساب بهدوء كالماء بين دفات الحجارة، لكن الثعلب لم يشعر به. كان يشعر بشيء آخر. شيء يشبه الانتظار. شيء يشبه الحضور في مكان لا تنتمي إليه.
تساءل: منذ متى وأنا هنا؟ منذ متى وأنا أجلس تحت هذه الشجرة، أنظر إلى الأفق، وأحاول أن أفهم لماذا أتيت؟ لم تكن الغابة تعطيه إجابة واضحة جلية، لكنها كانت تمنحه شيئاً آخر: الصمت المطبق، وهو جواب ضمني يمثل براعة الغاب. ذلك الصمت الذي لا يأتي إلا لمن يتعب من الكلام، فالغابة تعبت من أسئلة لا جواب نهائي لها، فالأجوبة تمنحها الأيام بعد صبر ولأي، وتعب وضنك وجهد واجتهاد.
كانت الريح تعزف لحن سحريا على أغصان الزيتون، لحناً قديماً، سمفونية مشطورة بين الغموض والبيان، لحناً كان أحداد الثعالب يرددونه معها في ليالي الشتاء الطويلة. كان صوتها يقول: “في النهاية، كل الطرق تؤدي إلى داخلك.”
نهض الثعلب، وسار بين الجذوع العارية. كانت خطاه خفيفة كأنها تهمس للأرض، لا تترك أثراً، وإن تركته، تترك سؤالاً في كلا الحالين. كان يسأل نفسه: لماذا أظل أعود إلى هنا؟ لماذا أظل أنظر إلى وميض النجوم وكأني أنتظر منها شيئاً؟ النجوم لا تتحدث، لكنها تضيء.
تذكر، فجأة، نهاراً بعيداً.
كان برعما صغيراً، يلهو بين الأشجار، يظن أن الغابة لا تنتهي، على حافة الحدود. كان يظن أن كل شيء سيظل كما هو: الضوء، الدفء، أمه التي كانت تناديه من بعيد. لم يكن يعرف أن الأشياء تتغير. لم يكن يعرف أن النهار لا يدوم.
لكنه عرف لاحقاً. عرف ذلك عندما غادرت أمه، وعندما جفت العين التي كان يشرب منها، وعندما أصبحت الأغصان التي كان يتسلقها هشة كالعظام. عرف أن الغابة ليست كائناً أبدياً، بل هي مرآة. مرآة تعكس ما في داخله: فرحه، خوفه، وحدته، وحلمه الذي لا يموت.
جلس مجدداً تحت شجرة الزيتون، وأسند ظهره إلى جذعها. شعر بدفء خفي يخرج من اللحاء، كأن الشجرة تهمس له: “أنت لست وحدك.”
كانت تلك الكلمات البسيطة كفيلة بأن تجعل الثعلب يبتسم. نعم، كان وحيداً. لكنه لم يكن وحيداً بالكامل. كان بين كنف الأغصان التي تظلله وتدلله، والريح التي تحمل أخباره، والذاكرة التي لا تخونه.
“النهار لم ينتهِ”، همس الثعلب لنفسه. “ربما لم يبدأ بعد.”
أغمض عينيه، واستمع إلى سكن الليل وهو ينسل بثوبه الداكن حوله. لم يعد بحاجة إلى إجابات. كان يعرف الآن أن السؤال نفسه هو الحكاية. وأن الحكاية لا تنتهي، بل تتحول وتتمفصل وتتلبس بثوب في كل مرة.
ففي نهاية كل نهار، يولد نهار آخر في مكان آخر.
وبينما كان الثعلب يغفو تحت الشجرة، كانت الغابة تتنفس من حوله، وكأنها تقول له ما لم يقله أحد من قبل: “أنت هنا. وهذا يكفي.”

Leave a Reply