يكفي شرف المحاولة

لماذا أكتب

سأحاول في هذه الأسطر القليلة أن أطلق العِنان لأصابعي تصول وتجول فوق لوحة المفاتيح تضربها ضربا علّها تتوفق في إخراج جمل مفهومة في معناها، سلسلة في مبناها.
سأبدأ بالقول إن الكتّاب الكبار ومروضي الكلمات لم يبلغوا ما بلغوه بين عشية وضحاها، وإنما هو المران والدربة وساعات طويلة من التفكير والتقدير وتقليب الجمل والكلمات والنظر فيها، قبل أن يُوَفّقوا في إخراج مُنجز يمكن أن نطلق عليه نعت مكتوب.
فالكلمات أشبه بالحيوانات المفترسة الضارية التي يصعب ترويضها، وهي لا تسلم خطامها إلا لمن لمست فيه الصبر والجلد أولا، ثم القدرة على التعامل الجيد مع مشاعرها الحيوانية.
وكما أن الحيوانات لا تستلم لمروضها إلا بعد الاطمئنان إليه، فكذلك تفعل الكلمات في يدي الكاتب الصبور، وتتركه يفعل بها ما يشاء، فتكون النتيجة كتابات بديعة تأخذ بلب قارئها، وربما كان لها مفعول الترياق والبلسم على الجروح والأمراض فتطيبها وتعالجها، وقد يكون للكتاب المقروء تأثير على حياة المرء فيغيرها بشكل جذري.
ثم، سأعرج على الحديث على العلاقات الإنسانية التي سالت في سبيل تفسيرها ملايين الليترات من المداد، وحُبِّرت لأجلها ملايين الصفحات، وما زالت.
فأقول، إن العلاقات بين البشر هي لازمة تلازم الإنسان ما بقي إنسانًا. ولا يمكن بحال من الأحوال تخيل أن يكون هناك تجمع بشري دون أن يَجمع بين أفراده حد أدنى من التواصل وربط العلاقات.
وهذه العلاقات “الضرورية” لا تستقيم إلا بتوفر شروط نوجزها في كلمة واحدة هي “الصبر”. فبدون الصبر، والصبر وحده، لا يمكن لأي منا أن يعيش مع الآخرين، لأن كل علاقة، سواء أكانت بسيطة أو مركبة، لا بد وأن تمر بلحظات مد وجزر.
وهذا التذبذب في العلاقات الإنسانية هو أمر طبيعي بحكم أن الإنسان نفسه يمر بتقلبات نفسية كثيرة تتراوح بين السعادة حد الجنون، والشقاء حد فقدان الأمل، وبينهما حالات نفسية أخرى تختلف باختلاف ساعات اليوم وعلاقات التأثير والتأثر بالواقع وبالسياق.
وما دام الأمر على ما صوّرنا، فلا مندوحة من الاعتراف أن الإنسان، ذلك الكائن المركب العجيب الغريب، هو عبارة عن خليط مركّب من المشاعر المختلفة وغير المفهومة في كثير من الأحايين. وللتعامل مع كائن هذه طبيعته، من اللازم الاتصاف بصفة التغافل. وهي صفة مع صعوبة تطبيقها تبقى أساسية لنجاح أي علاقة كيفما كانت.
ويحسن استخدام “فضيلة” التغافل وإعمالها بشكل أكبر مع من تجمعنا بهم علاقات لا غنى لنا عنها، مثل أمهاتنا وآبائنا وأخواتنا وإخواننا وزوجاتنا وأزواجنا وأبنائنا، ثم تقل هذه “الإلزامية” مع توسع العلاقة وابتعادها. لكن استعمالها يبقى ضروريا بهذا القدر أو ذاك في أي علاقة.
وللتغافل منافع كثيرة لمن يتصف به أقلها أنه يريح نفسه ويكفيها مؤنة التفكير الزائد وتقليب الأمور التي ربما بدرت عن شخص آخر بشكل عفوي أو من دون قصد (تقليب) في رأسه فيحرق أعصابه ويعيش لحظات من التوتر والقلق وقد يجافيه النوم وتعاف نفسه الطعام وغيرها من التأثيرات الجانبية.
كانت هذه محاولة لممارسة فعل الكتابة، علني، بكثير من المران والدربة، أبلغ في يوم من الأيام شأو كتاب حازوا قدرا من الاحترام في عالم الكلمة والتأليف.

Leave a Reply

Your email address will not be published.