شكل اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض مع عدد من قادة الدول العربية والإسلامية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لحظة فارقة في المشهد السياسي المتعلق بالحرب على غزة. فبينما سعى ترامب إلى تقديم نفسه كوسيط قوي قادر على فرض «صفقة جديدة» تُنهي حالة الاستنزاف المستمرة، جاءت مواقف الأطراف متباينة، وأثارت أسئلة كبرى: هل يقود هذا المسار إلى هدنة قابلة للاستمرار، أم أنه يفتح الباب لتصعيد جديد تحت غطاء الدبلوماسية؟
المقاربة الأميركية: بين الوساطة والهيمنة
الولايات المتحدة تاريخياً طرف فاعل في الصراع العربي–الإسرائيلي، لكن سياسة ترامب تتميز بسمات مختلفة: براغماتية صدامية قائمة على الضغط الاقتصادي والسياسي من جهة، واستثمار العلاقات مع حلفاء إقليميين أقوياء مثل السعودية وتركيا وقطر من جهة أخرى. في هذا الاجتماع، قدم ترامب تصوّراً أولياً لخطة “مرحلة ما بعد غزة”، تركز على:
إنشاء هيئة انتقالية لإدارة الشأن المدني في القطاع.
تمويل إعادة الإعمار عبر صندوق إقليمي–دولي.
ضمانات أمنية لإسرائيل عبر قوات مراقبة مشتركة أو ترتيبات حدودية صارمة.
لكن الخطة جاءت غامضة في التفاصيل حيث لم تحدد آليات واضحة للفصل بين الفصائل المسلحة وإدارة الشأن المحلي، كما لم تقدّم تصوراً لمستقبل السيادة الفلسطينية، وهو ما جعلها عرضة للتأويل والتشكيك.
الموقف الإسرائيلي: أمن قبل السياسة
إسرائيل بدت مترددة في منح الخطة زخماً سياسياً، إذ ترى أن أي وقف للعمليات يجب أن يضمن أولاً «تدمير القدرات العسكرية» للفصائل في غزة، ومنع أي عودة لتهديدات أمنية. هذا الموقف يجعل أي مبادرة للتهدئة مشروطة بتحقيق أهداف ميدانية مسبقة، ما يعني عملياً أن تل أبيب لن تمنح الغطاء لأي خطة دولية قبل أن تنجز على الأرض ما تعتبره “انتصاراً استراتيجياً”. في المقابل، استمرار العمليات يضاعف التكاليف السياسية والعسكرية ويزيد الضغوط الدولية عليها، وهو ما يجعل إسرائيل أسيرة معادلة معقدة بين الحاجة لوقف النزيف والحرص على عدم الظهور بمظهر الخاسر.
الموقف العربي–الإسلامي: بين الرغبة في التهدئة والقيود الداخلية
الدول العربية والإسلامية المشاركة في الاجتماع انقسمت بين أطراف تميل إلى دعم مبادرة ترامب، مثل بعض دول الخليج التي ترى في الاستقرار أولوية اقتصادية وأمنية، وبين دول أخرى أكثر تحفظاً مثل تركيا وإيران اللتين اعتبرتا المقترحات منحازة لإسرائيل. في الوقت نفسه، لا تستطيع أي حكومة عربية أن تتجاهل الرأي العام الشعبي الغاضب من حجم الدمار في غزة. هذا التناقض يجعل الحكومات مضطرة إلى تبني خطاب مزدوج: دعم أي مسار يخفف المعاناة الإنسانية، مع رفض أي ترتيبات قد تُقرأ كإضفاء شرعية على السياسات الإسرائيلية.
البعد الدولي: النظام المتعدد الأقطاب يدخل على الخط
اجتماع ترامب لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع. فروسيا والصين دخلتا على خط الوساطة عبر اتصالات مع إيران وتركيا ومصر، محاولةً تقديم بديل عن الاحتكار الأميركي لمسار التسوية. هذا التنافس يعكس حقيقة أن الحرب على غزة لم تعد ملفاً إقليمياً فقط، بل تحولت إلى ورقة في صراع القوى الكبرى على النظام الدولي. فواشنطن تريد إثبات أنها ما زالت اللاعب المركزي في الشرق الأوسط، بينما تسعى موسكو وبكين إلى استثمار اللحظة لإبراز نفسيهما كحماة لتوازن دولي جديد يعيد الاعتبار للمبادئ الأممية.
الاحتمالات المستقبلية: تهدئة هشة أم تصعيد قادم؟
السيناريو الأول هو الوصول إلى هدنة مؤقتة بدعم أميركي–عربي–أوروبي، تسمح بإيصال المساعدات وإطلاق مسار سياسي طويل المدى. لكن هشاشة الضمانات، واستمرار الخلاف حول مستقبل غزة السياسي، قد يحوّل الهدنة إلى مجرد “استراحة مقاتل”.
أما السيناريو الثاني فهو عودة التصعيد، خصوصاً إذا أصرت إسرائيل على استكمال أهدافها العسكرية، أو إذا فشلت الولايات المتحدة في فرض ضمانات حقيقية مقبولة من الفصائل. في هذا السيناريو قد يتوسع الصراع إقليمياً ليشمل جبهات أخرى، خاصة إذا تدخلت قوى كإيران أو حزب الله بشكل مباشر.
اجتماع ترامب مع قادة العالم الإسلامي لم ينهِ الحرب، لكنه كشف حجم التباين في الرؤى والمصالح. الولايات المتحدة تحاول فرض وصايتها على مسار التهدئة، إسرائيل تضع شروطاً أمنية شبه مستحيلة، العرب والمسلمون يعيشون بين ضغط الشارع وحسابات الدولة، والقوى الكبرى الأخرى ترى في غزة مدخلاً لتعديل النظام الدولي. أماما بعد الاجتماع، يبدو أن الحرب مرشحة لأن تدخل مرحلة “الجمود المتحرك”: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل سلسلة من الهدن المؤقتة والمواجهات المتقطعة، بانتظار حدث أكبر قد يغير قواعد اللعبة.

Leave a Reply