دعوني أولا أوضح بعض المغالطات التي يمكن أن تثيرهما اللغة التي نستخدم. من جهة، مقارنة معاداة السامية في الماضي ومن جهة ثانية التأكيد بأن الإسلاموفوبيا قد حلت محل أو تجاوزت معاداة السامية في الوقت الحاضر. تنامي الكراهية والعنف ضد الأقليات الدينية مازال حاضرا في كل مكان. أوجه الاختلاف تتعلق فقط بمن يسود أو أكثر ضراوة. في معظم الأحيان، نشهد جدالات بين الطرفين غالبا ما تأخذ وتيرة الاتهامات مجرى غير مسبوق محاولين تبرير العنصرية الموجهة ضد فئتهم بالأرقام. لن أطيل كثيرا في هذا الجانب لأنه ليس من اختصاصاتي أن أكون حكما. قد تكون بيانات الاستقصاء والإحصائيات الاجتماعية غير موثوقة أو مضللة والحقيقة التي تظهرها الأدلة المتضاربة تستحق بحث معمق. .يجب التدقيق في الأرقام ووضعها في سياقها قبل تفسيرها. لكن سأضع ذلك جنبا وسأكتفي بالوقوف على اهتمامي الأول: قياس أوجه التشابه.
هل الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية متشابهتان؟ إن للتشبيه عموما خاصيتين اثنتين. فمن جهة، يمكن بسطها بالقول أن أي شيء قد يشبه نظيره الآخر: كل ما عليك فعله هو تحديد القاسم أو القواسم المشتركة بين (أ) و(ب) لتحصل على أرضية مناسبة تؤكد التشابه بينهما، رغم أن الجوانب الأخرى تختلف بين (أ) و(ب). ثانيا، لا يوجد تشابه تام: فإذا كان (أ) و(ب) متشابهين تماما من كل الجوانب فهما إذا متطابقان لا متشابهان. ويبقى السؤال المطروح هو: ما هي حدود التشابه بين الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية؟ هل التشابه متين أم ضعيف ؟
كيف نثمن هذا التشابه؟ يشير Matti Bunzl إلى أنه “إذا أجرى شخص مقارنة- كما يفعل علماء الأنثروبولوجيا أو علماء الاجتماع أو المؤرخين –يمكن، دائما بالمعنى الأوسع، الوصول إلى أوجه التشابه والاختلاف بين مجموعتين”. ويضيف “وغالبا ما يكون الاختيار سياسيا أو تحليليا سواء أردنا أن نقدم أوجه التشابه أو الاختلاف”. هذه ملاحظة مفيدة ولكنها تستدعي المزيد من التوضيح. إذ يمكننا اختيار الأسس لمقارنة ظاهرتين (أ) و (ب) وبعد ذلك، يمكننا اصطفاء أوجه التشابه أو الاختلاف التي نود تأكيدها أو إلغائها. تعكس هذه الاختيارات من الجانب السياسي الأجندة التي نروج لها. أما من الجانب التحليلي فهي تعتمد على البحث الذي نجريه. ولكن، في كلتا الحالتين، لا يمكننا تحديد ما إذا كانت ل(أ) و(ب) قواسم مشتركة معينة أم لا. إذا تمكننا من القيام بذلك، فسيكون قياس أوجه التشابه من وجهة نظر معينة ولن يكون هناك مجال للحجة المنطقية. لذا، علي سبيل المثال، يتنبأ Bunzl بما يراه من اختلافات بين الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية. وهذا لأن اهتمامه يكمن في كيفية توظيف هذه الاختلافات ويريد التأكيد على كون ما يراه فارق حاسم: الفرق بين الدور التاريخي الذي لعبته معاداة السامية في حماية الدولة القومية العرقية وبين الدور الحالي الذي تلعبه الإسلاموفوبيا في مشروع إنشاء أوروبا جديدة. سواء كان محقا في هذا أم لا، فليس هذا هو المغزى. سأعود للخوض في أطروحته لاحقا. لقد اختار Bunzl في المقام الأول دراسة أوجه التشابه من وجهة نظر وظيفية دون الخوض في الوظائف الأخرى. بطبيعة الحال، هو يدرك ذلك تماما. ولهذا فقد تضمن كتابه ستة ردود نقدية على أطروحته. يبقى الجانب الوظيفي للإسلاموفوبيا ومعاداة السامية أحاديا لقياس التشابه. وهذا يحيلنا على تساؤلات أخرى: هل مفهومي الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية متشابهان من حيث المصادر والدوافع؟ هل لديهم تأثير مماثل على حياة اليهود والمسلمين؟ هل مستوى التعصب قابل للمقارنة؟ وهلم جرا. يرتكز أسلوب القياس الذي سنعتمده ، في المقام الأول، على السؤال الذي نطرحه.
هل الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية متشابهان؟ لن تجد جوابا مباشرا لذلك .التساؤلات عديدة ولن يسعني هذا المقال لدراستها ولن أحاول حتى تناول معظمها. هذه المقالة مساهمة بسيطة كنوع من الدعاية الأولية لشركة مالية: مقارنة الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية هي جزء من طرح واسع حول ما إذا كان المسلمون اليوم هم “اليهود الجدد” أم لا، بالنظر إلى حالة التعددية العرقية في بريطانيا والمجتمعات الغربية الأخرى في الوقت الراهن.
إن اهتمامي الأساسي يرتكز على القضايا المنطقية أو المفهومية على الرغم من أنه يستحيل التغاضي عن خبايا التاريخ. هناك قضايا أخرى تحتاج للبحث من طرف مختصين والتحليل الذي سأقدمه لاحقا هو جوهر هذا المقال.
المصطلح والمفهوم
يبدو للوهلة الأولى أن أي مقارنة لأوجه التشابه بين الإسلاموفبيا ومعاداة السامية قد تفشل من الخطوة الأولى بسبب المصطلحات ذاتها. يتم إيلاء قدر كبير من الاهتمام لهذه المصطلحات في كل من النقاشات العامة والدراسات البحثية كأن الكثير من الأمور معلقة حول هذا الأمر. يشير المحللون إلى أن المصطلحين مركبين، وافتراضا بأن المصطلح هو مجموع أجزاء، فإنهم يقومون بجرد اختلافات المعنى عن طريق إضافة الأجزاء. مصطلح معاداة السامية ‘Antisemitism’ هو نتاج إضافة البادئة ‘anti’ “معادية” قبل النعت ‘semitsm’ “السامية” و مصطلح الإسلاموفوبيا ‘Islamophobia’ هو مجموع مفردتي ‘Islam’ (الإسلام) و’phobia’ (رهاب). مصطلح ‘Islam’ مرتبط بديانة بينما مصطلح ‘semisitsm’ (في الوقت الذي ظهر فيه مصطلح ‘Antisemitism’) يعني “مجموعة من الصفات السلبية الموحدة المفترض ارتباطها باليهود”. إذا وضعنا المفردات السابقة في سياقهما فسنحصل على ما يبدو، في الحالة الأولى، على مناهضة مجموعة معينة (أو الصفات المنسوبة لها) وفي الحالة الثانية على خوف من دين معين. الحالتان ليستا متشابهتين ولكن بالكاد تختلفان.
ولكن هل هذا هو النهج الصحيح لفهم المصطلحات؟ يشير Salman Sayyid إلى هذا المسلك المسمى بالتأويل الأصولي الكلمة ‘Etymological fundamentalism’. أي أن معنى المصطلح- المفهوم الذي يدل عليه- يتم استنباطه من خلال أصوله الدلالية. ما يمكن تأويله بشكل من أشكال التأويل النصي ‘Literalism’.على سبيل المثال وفي إطار استخدام التشابه (الذي ليس تاما)، تخيلوا معي لو سألت شخصا عن ماهية القلم ويكون رده: القلم هو شيء رقيق مصنوع عادة من المعدن أو البلاستيك وطوله لا يتجاوز حوالي خمسة عشرة سنتيمترات. تماما كما يختزل المؤول الأصولي للكلمة ‘Etymological fundementalist’ الكلمة في الأجزاء المكونة لها، فإن مثل هذه الرد يختزل القلم في صفاته المادية، وبالتالي فقد أخطأنا في شرح ماهية القلم.
إذن ما هو القلم؟ القلم هو أداة محددة للكتابة. لذلك من الضروري البحث عن الخصائص غير المادية للقلم واستيعاب استعمالاتها لفهم دلالاتها. وفي سياق مماثل، لإدراك مفهومي معاداة السامية والإسلاموفوبيا لابد من النظر إلى مجالات استخداماتهما. يعلّق Wittgenstein “بالنسبة لفئة كبيرة من الحالات –ولو ليس لمعظمها- التي نستخدم فيها مصطلح ” المعنى” يمكن إقرار التعريف التالي: مفهوم المصطلح هو استخدامه في اللغة”. تندرج الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية ضمن هذه الفئة. إذ على الرغم من التباين في أصل وتركيب المصطلحين، فاستخداماتهما متشابهة.
هناك عدة مغالطات قد تفقد المصطلح دلالاته. لذلك على سبيل المثال، صادفت مرارا وتكرارا الرأي الذي يقول أن معاداة السامية تستهدف كلا من العرب واليهود كونهم شعب “سامي”. ولكن إذا وضعنا جنبا غموض فئة ‘السامي’ (Semite) فإن مصطلح معاداة السامية يخص اليهود في التداول. هذا هو معناه من خلال استعماله في اللغة. بالنسبة للإسلاموفوبيا فإن بعض الباحثين يفضلون استخدام مصطلح ‘العنصرية اتجاه المسلمين’ (anti-Muslim racism) بينما طالب البعض الآخر ب’معاداة الإسلام’ (anti-Muslimism) أو ‘رهاب المسلمين’ (Muslimophobia. هناك نقاش مماثل لإيجاد بدائل أخرى لمصطلح ‘antisemitism’ك”العنصرية اتجاه اليهود” (anti-Jewish racism) و”رهاب اليهودية” (Judaeophobia). وهدا ما يحيل إليه رد Wittgenstein على أحد مخاطبيه في سياق مغاير وملائم: “قل ما تختاره طالما لا يمنعك ذلك من رؤية الحقائق”. لقد أصبح مصطلح ‘Islamophobia’ قيد الاستخدام من أجل وصف الواقع كما وصفه كوفي عنان بحرقة: “…عندما يجبر العالم على صياغة مصطلح جديد مراعاة للتعصب الأعمى المتزايد والواسع الانتشار، فهذا تطور محزن ومقلق. وهذا هو الحال مع الإسلامومفبيا”. هذا النوع من التعصب هو ذاته ولو اتخذ مسميات اخرى. يصبح المصطلح حيا فور اتخاده مكانا في اللغة وهذا القصد مع مصطلح “الإسلاموفوبيا” الذي فرض نفسه. لا يمكن إجبار أحد على استخدامه ولكن فات الأوان على الأكاديميين تجاوزه. بدلا من متابعة الحديث عن بدائل للمصطلح الذي سأستمر في استخدامه، فمن الأفضل الوقوف على المفهوم نفسه، لأن الفكرة قد وصلت.
يقدم مفهوم معاداة السامية مثالا جيدا على الطريقة التي يتطور بها المصطلح فور صياغته. ظهر مصطلح ‘Antisemitismus‘ في ألمانيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان الدافع من صياغته هو تمييزه عن الكراهية القديمة ضد اليهود المعروفة بالاسم المبتذل:’Judenhass‘(كره اليهود(. عكَس المصطلح الجديد التوجه العالمي الذي عرفه تطور العلوم الحديثة وخاصة “علم” الاثنوغرافيا بالإضافة إلى الأفكار العنصرية التي كانت جوهر القومية الشعبية ‘völkisch nationalism’ التي تصاعدت وأفضت عن ظهور الاشتراكية القومية خلال الفترة النازية. وارتبط مصطلح ‘معاداة السامية’ في بادئ الأمر بظاهرة معينة جدا: تصور بيولوجي للهوية اليهودية وحركة سياسية متشبعة بإيديولوجية عرقية. وعلى الرغم من بعض محاولات الأوساط الأكاديمية حصر المصطلح بمعناه الأصلي الضيق إلا أن المصطلح قد خرج للوجود. يغطي اليوم مصطلح ‘معاداة السامية’ في استعمالاته اليومية مجالا واسعا من المواقف والسلوكيات المعادية لليهود سواء كانت تستند على العنصرية البيولوجية أم لا. علاوة على ذلك، يتجاوز الأن مدى المصطلح القرون. نحن نتحدث عن ‘معادة السامية’ بين الأمس واليوم. هكذا تم استخدامه وهذا ما أصبح يعنيه. لا أصل المصطلح ولا مصدره يحددان معناه بل فقط استخدامه في اللغة يفعل.
الشكل والمضمون
ليس في صلب مفهوم معاداة السامية ارتباط ب”اليهودي”. فالصورة المرتبطة باليهودي نمطية، وبعبارة أخرى كانت فكرة معاداة السامية في مراحل تكوينها الأولى استقرائية. ثم انتقل الاستدلال ب”اليهودي القوي الثري” إلى استنتاج عام: كل “اليهود أقوياء وأثرياء”. لنتأمل في وضع Peter Rachman الذي ارتبط اسمه ب”مالك الأحياء الفقيرة”. في الخمسينات من القرن الماضي، سيطرRachman على إمبراطورية عقارية أسسها في منطقة نوتينغ هيل غرب لندن حيث كان يتقاضى إيجارات عالية من مستأجرين من ذوي الدخل الضعيف. كان Rachman يهوديا. ولقد كان على ما يبدو متعطشا للمال، عديم الضمير، غامضا و استغلاليا: كلها سمات تعكس صورة “اليهودي”. تكمن معادة السامية في إسقاط هذا التمييز عن اليهود ولو كانت الصورة المرتبطة بالواقع صحيحة أم كاذبة.
وهو الحال ذاته مع الإسلاموفوبيا. حدث نفس التصادم بين الواقع والصورة النمطية في حادثة Woolwich سنة 2013 عندما تعرض جندي بريطاني” Lee Rigby” لإعتداء قاتل من طرف كل من ” Michael Adebolajo ” و”Michael Adebowale”. ذكرت صحيفة Daily Telegraph في مقال لها بأن الرجلين الذين وصفا ب”الإرهابيين الإسلاميين” ‘حاولا قطع رأس الجندي واختراقه “كأنه قطعة لحم”‘. وتحدث أحدهم ‘حاملا سكينا وساطور لحم ويداه ملطختان بالدماء’ لشاهد يصوره بهاتفة النقال مقسما ‘باسم الله العظيم’ ومعلنا’ العين بالعين والسن بالسن’. وأثناء الهجوم “صرخ أحد المعتدين ‘الله أكبر’ بينما، وفقا لشاهد آخر، ‘بدى وكأنهم يصلون على جثة الجندي كأنه “قربان”‘ . يمكن عموما نسخ هذه الأوصاف من دليل للصور النمطية عن الإسلام: التخلف، القسوة، الدموية، هاجس الانتقام، التطرف الديني وغير ذلك. وهكذا لم يكن الجناة مسلمين فحسب بل يعكسون الصورة النمطية عن ‘المسلم’ لدى الغرب. لقد قدموا أمام شهود عيان عرضا مفصلا لنص مكتوب عن صورة المسلم في ‘الإسلاموفوبيا’. لم يتوهم الشهود ما عاينوه لأن الاعتداء قد وقع بالفعل. ومع ذلك فهذه الصورة المجسدة في شوارع Woolwich عن “المسلم” غير حقيقية: لأنها ليست أقل إثارة عن الصورة الموجهة ضد جميع المسلمين.
أتحدث عن صورة المسلم وصورة اليهودي معا وهذا قد يوحي أنه في صميم مفاهيم الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية توجد صورة نمطية محددة ومتناهية لا تتغير مع مرور الزمن. ولكن ليس هذا هو الواقع ولا يجب أن يكون الأمر كذلك. إنه لأمر مثير أن تعتقد إذا تغيرت الصورة النمطية فالمفهوم يتغير. ولكنه تصور مغلوط حول المفاهيم وهي الصيغة التي تناولها Wittgenstein في كتابه: The Blue Book. يشير الأخير إلى وجود ‘ميل للبحث عن شيء مشترك بين جميع الكيانات التي نصنفها عادة تحت مصطلح عام’. يشرح ذلك باستخدام مثال ‘اللعبة’:
‘نحن نميل إلى الاعتقاد إلى ضرورة وجود شيء مشترك بين جميع الألعاب، على سبيل المثال، وأن هذه المشترك مبرر لتخصيص المصطلح العام “لعبة” على الألعاب المتنوعة؛ بينما تشكل الألعاب عائلة أفرادها لديهم روابط مشتركة مع العائلة’[24] .
يمكن قياس ذلك على مفهومي معاداة السامية والإسلاموفوبيا. وفي الحقيقة ، هذا ما يقره أحد مؤلفي الكتاب الجماعي Thinking Through Islamophobia (التفكير من خلال الإسلاموفوبيا) وهو مجموعة مقالات لثمانية وعشرون كاتب، قائلا الهدف من هذا الكتاب هو التفكير في الإسلاموفوبيا ‘من خلال نظرية التشابه العائلي القائم على أوجه التشابه المترابطة.
وبالتالي، لتكون يهوديا يجب أن تتصف بالسمات (أ)، (ب)، (ج) كأن تلك السمات تشكل كيان أو ماهية اليهودي. ويصبح مضمون المفهوم هو مجموعة سمات تجسد نموذج محدد وشكل معين “لليهودي”. على سبيل المثال: متكبر، الملتزم بالقانون الأخلاقي، ماكر، متآمر، متعصب لقومه، بدون أصل، استغلالي، متعطش للسلطة، جشع وهلم جرا. هذا التجسيد قابل للتغيير ومفتوح على سمات أخرى حيث تعطى في الغالب أولويات لسمات خاصة في معاداة السامية. رغم اختلاف الحالات فهناك تشابه لصيق يجمعهم تحت نفس المفهوم. لذلك، فصورة ‘السامي’ في ‘معاداة السامية’ هي نفسها ‘يهودا’ (Jude) في ‘كره اليهود’ (Judenhass) في صيغة معاصرة: هذا ما ساهم في توسع نطاق ‘معاداة السامية’ ليحل مكان المصطلح السابق ‘Judenhass’ ويرتقى اليوم لكي لا يجعل فقط من الصفات الطبيعية الارتباط الوحيد باليهودية. تخطّى استخدام المصطلح القرون ولكن هذا لا يعني وجود ظاهرة أحادية غير قابلة للتغيير (على الرغم من ان بعض الناس يؤكدون العكس). إن هذا يعكس فقط كيف تُكتسب عادة المفاهيم: تعمل المفاهيم –وفق استعارة Wittgensteinian- مثل حبل طويل ‘لا تكمن قوته في خيط طويل واحد بل في مجوعة خيوط متداخلة’. إدراج مجموعة من السمات المتداخلة والمتعارف عليها في أنموذج’ لتكون يهوديا يجب أن تكون لديك سمات (أ)، (ب)، (ج)…” هو ما يشكل صورة ‘اليهودي’.
تنطبق نفس التّغيرات الضرورية على الإسلاموفوبيا. ومن المثير للاهتمام في دراسةSimon Weaver للمواقع الإلكترونية التي تتخد من اليهود والمسلمين مادة للكوميديا السوداء، تأكيده أن “المنطق الذي تستند عليه العنصرية هو نفسه” في كلتى الحالتين. يبرز Weaver أن هناك ‘منطق مزدوج’ لهاته العنصرية: إما أن تستبعد الآخر من المجتمع تماما أو تجعل الآخر في الحضيض.
وهذا يجعل مفهوم الآخر أساسيا للتوجه الذي تقوم عليها العنصرية ويعني ضمنيا أن الآخر هو الفئة العامة التي يمكن إدراج شخصيتي “اليهودي” و”المسلم” ضمنها. والأن يمكن إعطاء فئة الآخر الصيغة التالية، ‘لتكون الشخصX يجب أن تتوفر على سمات (أ)، (ب)، (ج)…’، حيث تميز لائحة السمات الآخر عن الدخيل. وهكذا، عندما نقوم بجرد خطة للمفاهيم، يمكن إدراك أن ‘اليهودي’ و’المسلم’ يشتركان في المنطق الذي يستند عليه الآخر؛ يتقاسمان نفس النموذج ويشتركان في المنطق العام ذاته.
غير أن المنطق المحدد لمعاداة السامية والإسلاموفوبيا يحدده مضمون المفهومين. وهذا يعني، في كل حالة، هناك خطاب كراهية معين، ويتشكٌل هذا الخطاب من خلال السمات الخاصة التي تمثل شخصيتي “اليهودي” و”المسلم”، على التوالي. وهنا تصبح المقارنة معقدة. سأتحدث أولا عن أوجه التشابه وبعد ذلك عن الاختلافات.
نظرا لأن كلاهما من أشكال الآخرية (Othering) فليس من المدهش أن يكون لكل من ‘المسلم’ و’اليهودي’ سمات معينة مشتركة: السمات التي يتشاركونها مع آخرين أخر(other Others). ولكن علاوة على ذلك، تتقاسم اليهودية والإسلام مصيرا مماثلا في بعض النواحي. أولا ، كلاهما على علاقة مضطربة بالمسيحية. ثانياً ، نزلتا معا من أجل التنوير. ثالثا ، كلاهما جزء من تاريخ ما يسميه Edward Said “الاستشراق”. تتداخل هذه الجوانب الثلاثة فيما بينها مبرزة أوجه التقارب بين معاداة السامية والإسلاموفبيا وسأعلق عليها بإيجاز.
رغم كون اليهودية والاسلام ديانتين فلا يمكن اختزال الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية في إطار العنصرية الدينية. كما أن المسلمين واليهود المتدينون ليس فقط المعرضين لهاتين الظاهرتين. عودة للتغطية الصحفية لهجوم Woolwich ، يتضح أن الدين يغدي أساسا الميول العنصرية. تعد عبارة ‘العين بالعين والسن بالسن’ التي ذكرها أحد المعتدين جزئا من الاعتقاد الديني: سفر الخروج (21:23-5) والقرآن الكريم (سورة المائدة، آية 45). في كتاب الموعظة على الجبل، يشير المسيح بتناقض إلى نفس المقطع “لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِل له الآخر أيضا” (متى 5: 38-9). من خلال هذا الحديث تطورت على مر القرون جدالات ثنائية متواصلة في المسيحية حيث تتبنى المسيحية الجانب الملائكي-المحب، المنضبط ،المتسامح- واليهودية والإسلام يشغلان الجانب الآخر: الملتزم بالقانون الأخلاقي، المنتقم، عديم الرحمة. تتغير جزئيا هذه الثنائيات بين نحن ‘الغربي’ أو ‘البريطاني’ والآخر عبر عدة وسائط. إحدى الوقائع المعروفة هو الجدل حول ‘شعيرة النحر’ التي تستهدف كل من اليهود والمسلمين في إطار رعاية الحيوان. لقد أشرت سابقا إلى بعض العبارات والصور الواردة في مقالة لDaily Telegraph-الهمجية، الذبح بأيدي “ملطخة بالدماء” ووصف الضحية “بالقربان”- والتي تعتبر أموراً شائعة خلال الحملات الدعائية الدورية في هذا الصدد والتي تزيد من حدة الجدال ضد ممارسات المسلمين واليهود.
تمكن عصر الأنوار، على حد كبير، من إدماج وعلمنة الخطاب السلبي المهيمن على الإسلام واليهودية المتوارث عن المسيحية ذاتها والتي رأت نفسها آيلة للسقوط. كان ينظر إلى الديانات كنقيض مشروع التنوير: المشروع الذي شجع المنطق على العقلانية، العلم على الخرافات، الحرية على الطغيان وما إلى ذلك. وعلى هذا النحو، ليس فقط الإسلام من ارتبط وجوده بالمشرق من طرف مفكري عصر الأنوار بل كان يُنظر لليهودية على نطاق واسع كونها ديانة غريبة على الغرب واليهود اعتبروا مستشرقين: ‘أسيويى أوروبا’ (the Asiatics of Europe) على حد تعبير Herder. يتطرق Sander Gilman إلى كون ‘الصورة المعيارية ليهودي القرن التاسع عشر كانت تتثمل في اليهودي المالطي، مرتديا عمامته الشرقية’. بالنسبة لEdward Said فالروابط جد وثيقة إلى حد أنه ذهب في مقدمته للاستشراق إلى حد القول ‘وجدت نفسي أكتب عن تاريخ مشترك، غريب وغامض لمعاداة السامية في الغرب’.
يشير Thomas Linehan إلى ‘تشابهات ملموسة وهامة في مضمون معاداة السامية سابقا ومضمون الإسلاموفوبيا لاحقا’. يعتقد أن هذه التشبيهات تلقي الضوء على طبيعة هذا الأخير’. لكن يقر أن’ هناك بعض نقاط مهمة للاختلاف'[37]. أولا، بينما هناك صورة نمطية لمعادي السامية عن اليهودي العنيد، متجذرة مند القدم، هناك أيضا،ـ من باب المفارقة، صورة لليهودي بدون أصل باعتباره يمثل النزعة المادية الحديثة التي تهدد القيم التقليدية وطرق العيش.
لا يوجد نظير لهذا في صورة ‘المسلم’. ثانيا، على عكس صورة اليهودي الجشع في معاداة السامية، فإن المسلم، حسب Linehan، ليس مرتبطا بالرأسمالية في خطاب الإسلاموفوبيا. ويضيف: ‘لا يوجد خطاب مواز يزعم سيطرة وسيادة المسلمين على الموارد المالية الدولية كما في أسطورة “اليد الخفية” لليهود’. وهذا يصل بنا إلى نقطة الاختلاق الثالثة، لأن ل”اليد الخفية لليهودي” نطاق أوسع، لا تتحكم فقط في البنوك والأسواق ولكن أيضا في دهاليز السلطة السياسية. ومن جهة ثانية، أكدا Nasar Meer و Tehseen Noorani ‘يبدو أن إحدى الميزات المتجددة لمعاداة السامية [هي] الطريقة التي يتم بها تخيل الأقليات اليهودية مضطلعة بقوة خفية تتعارض مع الطريقة التي يتم بها تمثيل المسلمين حاليا’.
ومع ذاك، فإن العديد من المحللين يقارنون بين بروتوكولات حكماء صهيون المعادية للسامية و’نظرية’ أورابيا (Eurabia) المعادية للمسلمين التي تعتبرهم على حد قول Matthew Carr ‘عملاء لبرنامج تآمري للهيمنة على العالم’. سنزيح الستار عن ليالي ألف ليلة وليلة الساحرة لندخل حقبة كابوس أورو-عربي مخيف حيث استسلمت ‘أوروبا مازوشية على وشك الإنهيار’ ل’هيمنة إسلامية ثقافية ودينية’. يذكرنا هذا السيناريو بصورة ألمانيا في كتاب Der Sieg des Judenthums über Germanenthum (انتصار اليهود على الجرمانية)، المنشور سنة 1879 والذي وضع فيه Wilhelm Marr الأسس لعصبة معادي السامية. ولكن ، يمكن الجزم ، أن ‘اليد الخفية’ للبروتوكولات غائبة في أورابيا (Eurabia)، حيث تبدو ‘أسلمة’ أوروبا أكثر وضوحا للعين المجردة. وهنا أيضا، تعتقد Martha Nussbaum أن ‘جزءا من الصورة النمطية (كما في حالة اليهود في البروتوكولات) هي كون العدو سيد التنكر'[44] تدلي بتلميح لرد الفعل الشعبي تجاه النساء المسلمات المحجبات: ‘إن التركيز المهووس على إزالة الحجاب يحذو تقليدا طويلا… من نسج الخيال حول وجود مؤامرة سرية خفية ستظهر لقتلنا عندما يحين الوقت’. وهذا يدعو إلى الإعتقاد بأن ‘الوجه الخفي’ الإسلامي هو ‘اليد الخفية’ اليهودية.
ولكن هل هذا الرأي صائب؟ أم أن التشابه سطحي؟ هناك حاجة ماسة لبحث مفصل عن الدلالات المخفية كما هو الحال في الإتهامات الموجهة ضد المسلمين واليهود من خلال ‘شعيرة النحر’. إلى أي
مدى قد تصل التشبيهات؟ في حالة اليهودي، هناك أصداء من العصور الوسطى عن ‘فرية الدم’ (blood libel) غير الموجودة في حالة المسلم. وهذا يعيدنا في نهاية المطاف إلى صورة المسيحي عن اليهود كقتلة المسيح مخلفا كل أيدي اليهود ملطخة بالدماء. لايوجد رأي مماثل عن المسلمين في المسيحية. وعلى نحو مماثل، على الرغم من أوجه التشابه، فإن تناول اليهودية والإسلام في عصري الأنوار والاستشراق أبعد ما يكون عن التطابق. كيف تؤثر الإختلافات في السمات الخاصة ل”المسلم” و”اليهودي”؟ هذه الأسئلة – ومجموعة أخرى – تتطلب المزيد من التحليل والبحث.

Leave a Reply