في عالم كرة القدم، هناك نجوم يلمعون بأهدافهم، وآخرون يسطع بريقهم خارج الميدان. محمد صلاح، نجم ليفربول ومنتخب مصر، أثبت في أكثر من مناسبة أن قوته الحقيقية لا تكمن فقط في براعته في تسجيل الأهداف ودك مرمى الخصوم، بل في خرجته الأخيرة متحدثا عن القضايا الإنسانية، لاسيما الانتقادات الكثيرة عليه لعدم تفاعله مع حرب الإبادة في غزة، التي يمارسها جيش الاحتلال الصهيوني. تدوينته الأخيرة لم تكن مجرد رأي عابر، بل صرخة علنية هزّت الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) وأعادت فتح ملف الصراحة والشفافية في الرياضة، بل وتحولت تدوينته إلى تريند في انجلترا. الغريب في الأمر والطبيعي، هو أن الجواب كان من زوجة اللاعب الشهيد دعاء العبيد في رسالتها للنجم المصري” محمد صلاح نزل كيف مات ولماذا؟ ؛ أنا بدي أقوله ليش.. سليمان استشهد بسبب أنه راح يجيب لقمة عيش لولاده”.
تحية باهتة تثير الجدل من الاتحاد الدولي
في حفل تكريمي، وجّه UEFA تحية إلى النجم الفلسطيني الراحل سليمان العُبيد، الملقّب بـ”بيليه الفلسطيني”. إلا أن هذه التحية جاءت مقتضبة، خالية من أي إشارة لملابسات وفاته في غزة.
محمد صلاح، الذي لطالما حمل قضايا فلسطين في قلبه، وإن كانت خرجته الأخيرة متأخرة، لكن كما قال الصحفي المصري معتز مطر “أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي”، حيث نشر تغريدة قصيرة لكنها مُحمّلة بالمعنى:
“هل يمكنكم أن تخبرونا كيف مات، وأين ولماذا؟”
بهذه الكلمات على منصة إكس X تويتر سابقًا، وضع صلاح الاتحاد الأوروبي أمام مرآة الأسئلة التي تهرّبت منها المنصات الرسمية. وقد كانت لقطة ذكية من اللاعب المصري، الذي لم يخض كثيرا في الحيثيات لكنه أثار أسئلة يعرف جوابها الكثير من المتابعين، إلا الاتحاد الدولي طبعا تحفظ على الخوض في الموضوع، لأن في الأمر حسابات سياسية مفروضة، بحجة أن ”الرياضة بعيدة عن السياسة”، غير أن الدوري الإسباني وغيره من الدوريات تعلن تضامنها مع الأوكران في حربهم ضد روسيا.
من المدرجات إلى تداعيات العناوين العريضة
وسائل الإعلام العالمية، من رويترز إلى الغارديان، التقطت الرسالة سريعًا. رويترز وصفتها بأنها “انتقاد مباشر وشجاع”، فيما اعتبرت الغارديان أن صلاح “حوّل التحية الباردة إلى نقاش عالمي حول العدالة والشفافية”.
خلال ساعات، امتلأت منصات التواصل بوسوم داعمة لصلاح، وجاءت التعليقات من مختلف اللغات والثقافات، ما بين إعجاب بجرأته، ودعوات لمؤسسات الرياضة إلى كسر حاجز الصمت السياسي.
البُعد الإنساني: نجم عالمي… وقلب حاضر في ملعب الإنسانية
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها صلاح عن فلسطين. في مناسبات سابقة، دعا إلى إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، ونشر رسائل مؤثرة عن معاناة المدنيين.
تأثيره الاجتماعي مدعوم بدراسات أكاديمية أظهرت أن صورته الإيجابية ساهمت في تغيير مواقف آلاف المشجعين في إنجلترا تجاه المسلمين، وخفّضت خطاب الكراهية في منصات التواصل بنسبة ملموسة. هذه المصداقية جعلت من كلماته الأخيرة أكثر وقعًا.
هل يمكن حقًا الفصل بين الرياضة والسياسة ؟
خطاب صلاح الأخير أعاد طرح السؤال الأزلي: هل يمكن للرياضة أن تبقى بمنأى عن السياسة؟ يبدو أن الإجابة، في زمن الإعلام المفتوح، هي “لا”. الرياضيون الكبار، خاصة من أمثال صلاح، أصبحوا سفراء لقيم يتجاوز صداها الملعب.
في عالم يزداد فيه تسييس الأحداث، يصبح صوت النجم العالمي منصّة بحد ذاته، قادرة على كسر جدار الصمت، وتغيير اتجاه الرأي العام.
حين يتجاوز اللاعب حدود المستطيل الأخضر
إن محمد صلاح وأمثاله من الرياضيين، لم ينتظر أن ينهي مسيرته ليكتب اسمه في صفحات التأثير الإنساني. تدوينته الأخيرة قد لا تغيّر سياسة UEFA بين ليلة وضحاها، لكنها بالتأكيد أعادت ترتيب الأولويات: أن وراء كل تحية، حكاية تستحق أن تُروى بصدق.
في النهاية، ربما يلخّص موقفه قاعدة ذهبية: النجومية الحقيقية ليست في عدد الأهداف المسجّلة، بل في المواقف المشرفة التي لا تُنسى.

Leave a Reply