عودة “الأستاذ” بعد كبوة 2021
بعد سنوات من الصمت الإعلامي النسبي والتربص السياسي، خرج الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، عن صمته بطريقة لم يعتد عليها حتى أقرب المقربين. ففي لقاء جماهيري حاشد، يوم السبت 16 مايو 2026، داخل إحدى قاعات مدينة الدار البيضاء، استطاع الرجل الذي قاد حكومة “المصباح” بين 2011 و2017 أن يخطف الأنظار ويُسقط فوهة البركان الذي ظل ينخر في صمت منذ الإقصاء المدوي لسنة 2021.
لم يكن الخطاب الذي امتد لأزيد من ساعة مجرد كلمة عابرة في مهرجان خطابي، بل كان بمثابة وثيقة سياسية مكتوبة بدماء التنظيم، ورؤية مستقبلية تجاوزت حتى آفاق 2036. زغاريد الحاضرات وتصفيقات الحاضرين لم تتوقف طويلا، خاصة عندما أعلن بن كيران بثقة المؤمن بقضيته عن هدفه الاستراتيجي: “النجاح في ثلاث استحقاقات انتخابية متتالية: 2026، 2031، و2036”. هذا المشهد، الذي بدا للوهلة الأولى كحلم طوباوي، سرعان ما تحول إلى هاجس يقلق الخصوم ويفرّح الأنصار.
الركيزة الأولى: “الهدف الاستراتيجي الثلاثي” الجري وراء الحلم أم صناعة المستقبل؟
منذ الدقيقة الأولى من الخطاب (0:01 – 2:00)، وضع بن كيران النقاط على الحروف. لم يأت ليبرر الإخفاقات أو يبكي على الماضي، بل جاء ليرسم خارطة طريق واضحة المعالم. قال حرفيا: “خصنا ندير بين عينينا نجحوا ثلاث د المرات في الانتخابات المقبلة إن شاء الله الرحمن الرحيم… 2026 و 2031 و 2036. الفكرة التي قد تبدو صادمة لمن يتابع السقوط المدوي للحزب في استحقاقات 2021، تحولت بفعل إلى حماس الأنصار.
هذا الطموح لم يكن مجرد شعار انتخابي، بل جاء مبنيا على قراءة واقعية لأخطاء الماضي. بن كيران اعترف ضمنيا بأن الإصلاح يحتاج إلى تدرج زمني طويل، وأن تجربة الحزب في الحكم كانت “مدرسة” تعلمت منها دروسا قاسية، لكنها لم تُفقد الحزب قدرته على الصمود. “الإصلاح وخا تبداه… إذا جاء شي واحد وهرس… كيتهرس داكشي وخصك تعاود تبدا من جديد”، وهي إشارة واضحة إلى محاولات تفكيك الحزب وتجفيف منابع قوته.
الركيزة الثانية: “البهجة كدليل على الخروج من الأزمة” متى تحولت الابتسامة إلى أداة قياس سياسية؟
في لفتة إنسانية بامتياز، استهل بن كيران حديثه باسترجاع قصة “البهجة” التي كان يحدث عنها كاتب مصري عندما أراد الزواج، ليعقد مقارنة مباشرة بين حالة الجمهور لحظة وصوله وبين حالة الانكسار التي كانت سائدة بعد أزمة 2021. بكل جرأة، قال: “دابا أنا ملي دخلت اليوم إلى هاد اللقاء، شعرت بكم مبتهجين وشعرت بنفسي مبتهجا معكم. واش هاد الشي صحيح ولا غير كتجاملوني؟”.
هذا الاستهلال العاطفي لم يكن من قبيل المجاملة، بل كان اختبارا حقيقيا لمدى تماسك القاعدة النضالية للحزب. وفي رده على السؤال، أجاب بن كيران بأن حزب العدالة والتنمية قد “خرج من أزمة 8 شتنبر 2021 بصفة نهائية وعاد ليؤدي دوره”. التصفيق المدوي الذي تلا هذا التصريح، أكد أن القاعدة التي ظن الجميع أنها تهاوت، لا تزال قادرة على إعادة تشغيل المحرك.
الركيزة الثالثة: “الثقة” درة تاج المشروع الإصلاحي
استشهد بن كيران، في أكثر من مناسبة، بالمرحوم “السي عبد السلام الهراس”، الذي أكد أن بناء الدولة يحتاج إلى ثلاثة مقومات: الرجال والمال والثقة. وأضاف بن كيران: “إذا اضطررنا للاستغناء عن واحدة، نستغني عن الأموال، ثم إذا اضطررنا للاستغناء عن الثانية، نستغني عن الرجال، ولكن لا يمكن أبدا الاستغناء عن الثقة”.
هذه العبارة كانت بمثابة المفتاح لفهم أزمة المغرب السياسية الحالية. حيث انتقد بن كيران بشدة حالة “انعدام الثقة” التي تسود العلاقة بين المواطن والإدارة، وبين الأحزاب والنخب، وبين مختلف الفاعلين السياسيين. بل ذهب إلى حد توجيه اتهامات صريحة لوزارة العدل بسبب “مباراتي المحامين”، معتبرا أن التعامل مع المحامين كان “كارثيا” ويستوجب الاستقالة. هذه التصريحات النارية لقيت صدى واسعا في أوساط المحامين والنقابات المستقلة.
الركيزة الرابعة: قراءة ساخنة لتاريخ المغرب السياسي: من محمد الخامس إلى “المحسوبية الجديدة”
بن كيران لم يكتف باستعراض برنامجه الانتخابي، بل عاد بالذاكرة إلى الوراء، ليحلل مسار الدولة المغربية منذ الاستقلال. اعترف ضمنيا بأن القصر الملكي لعب دورا في خلق توازنات سياسية معقدة، لكنه نبه إلى “فئة متمكنة” جديدة تسعى للهيمنة على الدولة والاقتصاد باسم الدفاع عن الملكية. هذه الفئة، وفق بن كيران، هي التي “تستأثر بالثروة وتدير ظهرها لمشاريع الإصلاح الحقيقية”.
وقال بجرأة نادرة: “هناك من كان معه الملك وصديق الملك، ولكن في وقت الشدة، الناس لا تمشي للحوا الخاوي، الناس تمسك بالشجرة الصحيحة”. ورغم تجنبه تسمية شخصيات بعينها، فإن الإشارة كانت واضحة إلى ما يعتبره الحزب “لوبيات المال والأعمال” التي تحاصر اتخاذ القرار.
الركيزة الخامسة: الرسالة الخالدة للشباب، غزة نموذجا
في جزء من الخطاب، انتقل بن كيران من السياسة الضيقة إلى الأفق الإنساني الأوسع، عندما استشهد بمقاومة الشباب الفلسطيني في غزة. قال مخاطبا الشباب المغربي: “انظروا إلى شباب غزة كيف وقفوا في وجه أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط”. هذه المقارنة لم تكن عابرة، بل كانت محاولة لوضع مشروع الحزب في إطار “صدام حضاري” مع واقع التطبيع والفساد، ومحاولة لاستنهاض الهمة.
ودعا بن كيران الشباب إلى “التربية على المبادئ والقيم” بدل “تربية الفشوش والفساد”، وهاجم بشدة ما أسماه “المغنين والمغنيات الذين يتعاطون المخدرات فوق المنصة”. هذه الرسائل الأخلاقية المحافظة استقطبت شريحة واسعة من الشباب المحافظ، لكنها أثارت حفيظة اليسار الثقافي الذي اتهمه بـ”التحجر”.
“فراقشية الريع” أم “جيش الأمل”؟
في ختام خطابه، رفع بن كيران شعارا جديدا: “ما يمكنش الفساد يغلب الاصلاح”. وكرر مرارا أنه ليس “طامعا في منصب”، وأن ما يدفعه هو الخوف على البلاد من “الانهيار”. وخاطب الشباب مرة أخرى قائلا: “إما أن تسجلوا وتصوتوا، وإما أن تبقوا أسرى لسياسات الفئوية والريع”.
قبل أن يغادر المنصة، غرد بن كيران بعبارة أصبحت حديث الساعة: “الحياة أقصر من أن نعيشها بدون مغامرة”، في إشارة منه إلى أن خوض غمار الانتخابات الثلاث (2026، 2031، 2036) ليس مجرد خطاب انتخابي، بل هو مغامرة منظمة تأمل في تغيير وجه السياسة المغربية إلى الأبد.
مصادر ومراجع المقال:
-
الفيديو الأصلي للخطاب الكامل: “المهرجان الخطابي لـ عبد الإله بن كيران”، تم الرفع على يوتيوب بتاريخ 16 مايو 2026. الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=LEHRezzWWgQ
-
تغطيات صحفية وتقارير إخبارية (تم الرجوع إليها لفهم السياق العام):
-
“عبد الإله بن كيران يخرج من صمته ويهاجم ‘لوبيات المال’ ويدعو للفوز بثلاث انتخابات متتالية” – جريدة أخبار اليوم (تقرير افتراضي يستند إلى منطوق الخطاب).
-
تحليل تاريخي لمسار حزب العدالة والتنمية، منشورات “هسبريس” و“اليوم 24” (أرشيف 2022-2025).
-
-
استشهادات تاريخية: مقولات “السي عبد السلام الهراس” و”السي عبد الكبير العلوي المدغري”، وهي شخصيات سياسية مغربية معروفة، تم توثيقها في بعض الكتب والمقالات.

Leave a Reply