المناظرة الفكرية بين طلال لحلو وأحمد عصيد على شاشة ميدي 1 تيفي : الحوار الذي غاب زمنا طويلا عن شاشاتنا

المناظرة الفكرية بين طلال لحلو وأحمد عصيد على شاشة ميدي 1 تيفي : الحوار الذي غاب زمنا طويلا عن شاشاتنا

في شهر يوليوز الحالي، وقبل عدة أيام من تاريخ كتابة هذا المقال، عرضت قناة ميدي 1 تيفي ضمن برنامجها الحواري باللغة الفرنسية ”فرونتال FRONTALE” الذي يقدمه الإعلامي عزيز بوستة، والذي يٌعرض منذ مدة ليست بالطويلة، مواجهة فكرية ربما انقرضت من المشهد الإعلامي العام بالمغرب، اللهم بعض القنوات اليوتيوبية، التي جمعت شخصيتين معروفتين ومختلفتين من حيث التوجه الفكري في المشهد الثقافي المغربي. غير أن يجب أن نثير نقاطا مهمة قبل تفكيك هذه اللحظة النادرة في تاريخ الإعلام المغربي الحالي :

1. المحاورة كانت باللغة الفرنسية، وهي ليست لغة وطنية، بل هي لغة المستعمر، وكان من الممكن تلافي هذا الأمر، لكن طبيعة البرنامج فرضت اللغة، ونظرا لطبيعة الضيوف الذين غالبا ما يكونون مفرنسين أو مزدوجي أو متعددي الألسن. وللإشارة تم دبلجة اللقاء بالإنجليزية والعربية بالذكاء الاصطناعي، لكن بعض المعاني لم يتم دبلجتها بشكل جيد أو ترنح الذكاء الاصطناعي في ترجمتها خصوصا بالعربية، وهو  ما أَبلغ به الدكتور لحلو، ودققه حسب ما كتبه في مواقعه التواصلية، وربما ستكون نسخة جيدة في الأيام المقبلة خصوصا باللغة العربية.

2. اللغة العربية كانت من الممكن أن تعطي مشاهدات أوسع وأكبر للبرنامج، خصوصا أنه برنامج موجه للنخبة، وغالبية المغاربة لديهم حواجز لغوية خصوصا مع هذه اللغة، فالذي يتابع حلقاته يجد أن المشاهدات لا تتعدَّ بضعة آلاف وأحيانا لا تتجاوز المئة مشاهدة، والحلقة تجاوزت رغم لغتها الفرنسية 200 ألف مشاهدة حاليا، وإن كانت المشاهدات ليست تعبيرًا دائما على الجودة، بيد أنها أحيانا هي كذلك.

3. الذي شاهد البرنامج يعلم أن هذا الصنف من المواجهات الفكرية، ومقارعة الفكرة بالفكرة، قد انقرض تقريبا من الساحة الإعلامية، خصوصا في مسائل جدلية أو فكرية أو هوياتية أو أخلاقية أو غيرها تتعلق بالمواطن المغربي عموما.

4. الغرض ليس دائمًا تقييم الأشخاص أو انتقاد الأفكار، بل الهدف هو الحوار وطرح الخلافات جانبا، ومنح المواطن مساحة للنظر، عبر الاستماع للأفكار الصائبة من غيرها، فالحكُم للمواطن في نهاية المطاف، ومن له جودة البضاعة فليعرضها على المواطن، فهو الذي سيميز الرداءة من الجودة.

لا بد أن نشير بداية أن الدكتور طلال لحلو هو خبير اقتصادي ومتخصص في المالية الإسلامية، وله إسهامات أكاديمية ومقاربات تحليلية، وله مشاركات في العديد من البرامج الحوارية باللغات الثلاث، العربية والفرنسية والإنجليزية.

أحمد عصيد هو ناشط أمازيغي وكاتب وباحث وحقوقي في الشأن الهوياتي واللغوي، واشتهر بمداخلاته المثيرة للجدل وتبنيه لقضايا الحداثة والتنوير.

أما في موضوع الحلقة الذي كان عنوانه “Le Maroc en mutation : entre racines et ruptures” أو “المغرب في تحول: بين الجذور والقطائع”، وقد دارت مجريات النقاش كما يلي:

تميز الحوار بنَفَس فكري ناضج واضح، إلا أنه بدا في كثير من لحظاته غير متكافىء من حيث البنية الحجاجية والمرجعية الأكاديمية.

وقد قدم طلال لحلو أداء متماسكا، واتسم طيلة البرنامج بالهدوء والتمكن اللغوي، واستند في طروحاته إلى مراجع فكرية وإحصاءات اقتصادية دقيقة، مما أكسب مداخلاته في عمومها وزنا علميا وجاذبية فكرية للمتلقي المتعطش للمراجع، حتى لدى خصومه الإديولوجيين وهذه حقيقة لا غبار عليها.

في المقابل، بدا أحمد عصيد انسيابيا عموما في الخطابة، غير أن لغته افتقرت إلى الإسناد المعرفي الدقيق، مما جعل بعض المتابعين يعتبرون خطابه إنشائيا وأقرب إلى التمني منه إلى البرهنة.

كما أن ردود الفعل لدى بعض المثقفين والمتابعين من مؤيدي طلال لحلو، اعتبروه منتصرا بالحجة لا فقط بالصوت، وأنه قارع الفكرة بالفكرة وقدم نقدا حضاريا. كما توجهت عديد الأصوات النقدية – تهمنا الأفكار لا الأسماء – إلى الإشارة على أن عصيد رغم ارتباكه أحيانا، إلا أنه طرح قضية مركزية حين دعا إلى نقاش وطني جامع يتجاوز الإنقسامات الإديولوجية. وأضاف آخر أن قوة طرح طلال لحلو المتفوق من حيث العرض واللغة، إلا أن ذلك لا يغني عن ضرورة مسائلة خلفياته المرجعية، كما نبه إلى أن تعبير عصيد باللغة الفرنسية كان أحد عوائق تواصله بشكل فعال.

ونروغ الآن إلى تفكيك أبرز المواضيع التي طرحت ونأتي على تحليلها؛ فالنقاش جاء كما أسلفنا الذكر بعد فراغ طويل على الساحة الإعلامية الرسمية في موضوع الحداثة والتقليد وعلاقته بالديمقراطية والحداثة الغربية، حيث دعا طلال لحلو إلى حداثة نابعة من السياق الإسلامي والمغربي، بينما انبرى عصيد وركز على ضرورة التحرر من البُنى التقليدية دون القطيعة مع الهوية، بل بإعادة قرائتها. كما ألح عصيد على ضرورة إعادة النظر في القيم العائلية، خصوصا فيما يتعلق بمكانة المرأة والطفل والعدالة داخل الأسرة. كما أثار الحوار موضوع الأغنية الشبابية وساق الروبورتاج وسؤال المنشط الرابور المغربي “الكراندي طوطو” وغيره، حيث اختلف المُحاوران حول مسألة حرية الفن أو الفن بين الحلال والحرام.

ومن أجل إعطاء تقييم متوازن وغير منحاز وموضوعي قدر الإمكان، فقوة طلال لحلو كانت في وضوح المفاهيم، ودقة الاستشهادات، وعمق المقارنة بين المرجعيات، وسعة اطلاعه خصوصا من المصادر التأصيلية الغربية والمرجعية الإسلامية، وحضوره الأكاديمي. لكن أيضا على طلال لحلو ملاحظات قليلة، كونه بدا في بعض المَحَاِور تقنوقراطيا، وقد يعطي للبعض الانطباع بأنه بعيد عن الواقع الشعبي أو الهواجس اليومية. أما أحمد عصيد، فقد أثار قضايا حساسة تتعلق بالهوية والذاكرة الجماعية وكانت أكثر جرأة وطلبا في النقد الذاتي عوض نقد الثقافة الغربية والآخر. بينما كانت نقاطه السلبية مرتكزة في غياب المرجعية الإحصائية والتاريخية الدقيقة، والخطاب الذي يميل للعمومية والانطباعية.

أظن أن مثل هذه المناظرات والمحاورات الجادة مهمة، ويجب أن تكون غزيرة وتتعزز بضيوف أكبر وزنا في جميع المجالات، فهي ستشكل انتصارا للإعلام المغربي الذي يعرف تراجعا ملحوظا في البرامج الحوارية الهادفة. لا نريد أن نرى أحد الطرفين “انتصر” فالحقيقة تنتصر لنفسها في النهاية، بل إن الحاجة ملحة إلى حوارات مليئة بالاحترام والعقلانية والتحليل الأكاديمي الرصين، والنقد الجريء والشجاع والبنّاء، والأهم من ذلك البناء والتغيير، فلا تكفي الحوارات دون أفعال، فالغاية من النقاش هي انتصار الوطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published.