افتتاحية الثعلب (43)

افتتاحية الثعلب (43)

“قلبٌ ثعلبي في زمنٍ متقلّب”

هل شعر أحدكم اليوم بأنه خفيف أكثر من اللازم؟ ليس خفة الجسد، بل خفة الفكرة، وخفة الروح والمعنى. كأنك موجود، لكن بلا ثقل وبلا وزن. تتنقل بين الأخبار كمن يقفز فوق نار هادئة، لا يخمد أوارها، لا يريد أن يحترق ولا أن يعترف بوجودها.

في الغابة، إذا هبّت ريح، خفضتُ أذنيّ وانتظرت الآتي واللاآتي. لكن في هذا العالم الجديد، لا ريح تأتي، بل إشعارات وتنبيهات ومستجدات كطوفان بحري. لا عواء، ولا زئير، ولا صوت وحيش، بل خوارزميات. كل ما يحدث حولك يحدث لك، حتى لو لم تمشِ نحوه.

اليوم، سُئلت: ما الذي يُخيفك أكثر، الانقراض البيئي أم التزييف الرقمي؟ لم أُجب. الثعلب لا يجيب سريعًا. لكنّني تذكرت قول بيير هادوت: “الفلسفة ليست نظرية تُكتب، بل طريقة حياة”. هل نعيش كما نفكّر، أم نُفكّر فقط حين لا نجد معنى لما نعيشه؟

الناس يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي، وأنا أبحث عن الحكمة الطبيعية التي ولدنا بها. ثمة فرق كبير بين من يفكّر بسرعة ومن يفهم ببطء طبيعي. فالحكمة لا تأتي من وراء شاشات الحواسيب، بل من جُرح قديم لم يُغلق، من غصن ينكسر وتسمع صداه ليلًا، بل طوال الليالي الشتائية الطويلة.

في الغابة، لا نحتاج إلى خريطة الطريق. بل نحتاج إلى حسّ القدم. وفي العالم، أصبح الكل يركض وفق تنبيهات السوق، وآخر ما يسألونه: أين أنا، ومن أنا ؟

كتب دوستويفسكي أن “سرّ الوجود الإنساني ليس في البقاء حيًّا فقط، بل في إيجاد ما نعيش لأجله.” لكن قل لي، كيف نجد المعنى في عالمٍ يغيّر خورازمياته في كل لحظة؟

أنا لست هنا لأُجيب، بل لأذكّرك: لا تنسَ أن لك جسدًا، وأن لك نفسًا لا تُقاس بالتحليلات الجاهزة. قف، خذ نفسًا، اسأل نفسك: من أنا بعيدًا عن الضجيج، عن ألوان الشاشة، عن كل شيء؟

الآن، يمكنك أن تقف ونقف معا، أن تبدأ ونبدأ جميعا، نحو الثبات في زمن التقلبات.

Leave a Reply

Your email address will not be published.