لماذا أصبحت الأسر المغربية عاجزة على الادخار ؟

لماذا أصبحت الأسر المغربية عاجزة على الادخار ؟

في منتصف أكتوبر 2026، كشف بحث ديموغرافي واقتصادي صادم أجرته المندوبية السامية للتخطيط أن أقل من ثلاثة أسر مغربية من كل مائة (2.8% فقط) تمكنت من ادخار جزء من مدخولها. ورغم أن الاقتصاد الوطني نما بنسبة 4.1% في الربع الثالث من 2026,إلا أن هذا المؤشر الاقتصادي يظل بعيداً كل البعد عن ميزانيات الأسر وقدرتها على توفير احتياطي مالي للمستقبل. هذا التباين الصارخ يضعنا أمام سؤال جوهري: لماذا تفقد الأسر المغربية القدرة على الادخار رغم النمو الاقتصادي المعلن؟ لفهم هذه الظاهرة، من الضروري تفكيك البنية المعيشية والاقتصادية التي تدفع الأسر نحو حافة العجز المالي.

التضخم الغذائي: عندما تلتهم الضروريات هامش الادخار

يُعد الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، لاسيما أسعار المواد الغذائية الأساسية، العامل الأول والرئيسي في تقليص قدرة الأسر على الادخار. تشير بيانات حديثة إلى أن سلة الاستهلاك اليومية شهدت زيادات قياسية في عام 2026، حيث قفزت أسعار الخضر والحبوب بأكثر من 15%، وارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بنحو 12%، إلى جانب زيادات متواصلة في الزيوت والمواد الاستهلاكية الأخرى. هذه الزيادات ليست أرقاماً مجردة في التقارير، بل تنعكس بشكل مباشر في الوعي المعيشي للمواطنين؛ فقد صرحت 95.9% من الأسر بأن أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، وتتوقع 77.9% منها استمرار هذا الارتفاع في السنة المقبلة. بالنظر إلى أن الغذاء يمثل نحو 38% من سلة استهلاك الأسر المغربية، فإن أي زيادة طفيفة في هذه الأسعار تعني اقتطاعاً مباشراً من أي فائض مالي كان من الممكن ادخاره. النتيجة أن ما كان يُدخر سابقاً أصبح اليوم يُنفق على توفير الاحتياجات الأساسية للبقاء.

تراجع العائد على الادخار: حين يصبح التوفير غير مجدٍ

لا تقتصر أزمة الادخار على الجانب المتعلق بالإنفاق، بل تمتد إلى الجانب المتعلق بالحوافز المالية. في مطلع عام 2026، تراجع العائد على حسابات الادخار إلى 1.61%، وهو مستوى متدنٍ يجعل من الاحتفاظ بالأموال في البنوك خياراً غير جاذب مقارنة بمعدلات التضخم المرتفعة. هذا الانخفاض في العائد يخلق حالة من الإحباط المالي لدى الأسر، إذ تجد أن أموالها المدخرة تفقد قيمتها الشرائية بمرور الوقت بدلاً من أن تنمو. في المقابل، أدى هذا الوضع إلى اتجاه معاكس، حيث تم تسجيل تراجع في الإقبال على قروض السكن، وهي القروض التي كانت تعتبر في السابق شكلاً من أشكال الادخار طويل الأجل للأسر. عندما يصبح ادخار المال غير مربح، وتصبح تكلفة الاقتراض للاستهلاك أعلى، تختار الأسر إما إنفاق ما لديها فوراً، أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية الفجوات، وهو ما يُضعف أي فرصة لتكوين مدخرات حقيقية.

اللجوء إلى القروض واستنزاف المدخرات: مؤشر على الهشاشة

الأرقام المتعلقة بالسلوك المالي للأسر تكشف عن حجم الضغط الذي تعيشه. وفقاً لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن 39% من الأسر اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها، مقابل 58.2% أكدت أن مداخيلها تغطي مصاريفها فقط. هذا يعني أن أكثر من ثلث الأسر لا تعيش على الادخار، بل على “الاقتراض أو استهلاك ما تم ادخاره سابقاً”، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للأمان المالي الأسري. وتشير التقارير إلى أن مديونية الأسر المعيشية سجلت أقوى ارتفاع لها منذ 2012، لتصل إلى 456 مليار درهم، أي ما يعادل 27% من الناتج الداخلي الإجمالي. هذا الارتفاع الكبير في القروض الاستهلاكية ليس نتيجة رغبة في الرفاهية، بل هو مؤشر على أن الأسر تلجأ إلى الاقتراض كآلية للبقاء على قيد الحياة المالي، مما يستنزف أي قدرة مستقبلية على الادخار.

سوق الشغل والقلق من المستقبل: غياب الاستقرار كعائق للادخار

لا يمكن لأي أسرة أن تدخر إلا إذا شعرت بالأمان تجاه دخلها المستقبلي. غير أن سوق الشغل المغربي يبعث على القلق. ورغم انخفاض معدل البطالة الإجمالي إلى 9.5% في الربع الثاني من 2026، إلا أن البطالة بين الشباب (15-24 سنة) لا تزال مرتفعة عند 27.2%. هذا الوضع يخلق شعوراً بعدم الاستقرار الوظيفي، حيث تتوقع 61.3% من الأسر ارتفاع البطالة خلال السنة المقبلة. وإذا كانت الأسر تتوقع أن تتفاقم البطالة، فإنها ستفضل الاحتفاظ بأي سيولة نقدية متاحة لمواجهة أي طارئ، بدلاً من تجميدها في حساب ادخار قليل العائد. النتيجة أن الخوف من المستقبل يتحول إلى سلوك اقتصادي دفاعي يمنع تكوين مدخرات طويلة الأجل.

تحويلات المهاجرين: دعم للاستهلاك وليس للادخار

تلعب تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الوطني، حيث بلغت حوالي 89.22 مليار درهم في الأشهر الثمانية الأولى من 2026. غير أن هذه التحويلات، رغم أهميتها، توجه في الغالب إلى تغطية النفقات اليومية للاستهلاك والتعليم والعلاج، وليس إلى الادخار. بل إن هناك مؤشرات على تراجع هذه التحويلات أحياناً بسبب الضغوط التضخمية في بلدان الإقامة، وغياب فرص استثمارية جاذبة وآمنة في المغرب. هذا يعني أن التحويلات، بدلاً من أن تكون مصدراً لبناء مدخرات مستدامة، تتحول إلى دعم استهلاكي آني، وهو ما لا يعالج جذور أزمة الادخار، بل قد يؤجل انفجارها.

خلاصة: الادخار كأزمة نظامية وليس خياراً فردياً

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن عدم قدرة الأسر المغربية على الادخار ليست نتيجة “سوء تدبير” أو “غياب ثقافة مالية”، بل هي نتاج تراكمي لسياسات اقتصادية واجتماعية جعلت من الصعب على الأسرة العادية أن تغطي نفقاتها الضرورية، ناهيك عن تكوين فائض مالي. فالتضخم يلتهم الدخل، والعائد المنخفض على الادخار يقتل الحافز، وسوق الشغل غير المستقر يزرع الخوف، واللجوء إلى القروض يصبح ضرورة. وإذا كانت 92.5% من الأسر تستبعد القدرة على الادخار في الأشهر المقبلة، فإن هذا يعني أن السياسات العمومية تحتاج إلى مراجعة جذرية لا تقتصر على تشجيع الادخار، بل على ضمان الحد الأدنى من الأمن الاقتصادي والاجتماعي الذي يسمح للأسر بأن تحلم بمستقبل، لا أن تعيش فقط لتدبير الحاضر.

المصادر

المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، البحث الدائم حول الظرفية الاقتصادية لدى الأسر، الربع الثالث 2026.

هسبريس (2026). 92% من الأسر المغربية تستبعد الادخار.

Le Matin (2026). Pouvoir d’achat : seuls 2,8% des ménages parviennent à épargner.

اقتصادكم (2026). ارتفاع كلفة المعيشة يعيد الجدل حول أثر النمو على القدرة الشرائية.

هسبريس (2026). ديون الأسر المغربية 2026.

مكتب الصرف المغربي (2026). تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.

Leave a Reply

Your email address will not be published.