خلال العقود الماضية، اختزل النقاش حول الآلات الذكية في الصورة السينمائية للروبوت الشبيه بالإنسان، حتى ارتبط النفور منه بمفهوم “وادي الغرابة” (Uncanny Valley) الذي صاغه العالم الياباني ماساهيرو موري عام 1970، حيث يتحول التقارب البصري المفرط مع الإنسان إلى قشعريرة ونفور بمجرد الوصول إلى تخوم “شبه الإنسان”. لكن مع الطفرة الحديثة لنماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، انتقل هذا القلق من الواجهة البصرية إلى النسيج اللغوي ذاته، ليكشف عن أزمة أعمق تتعلق بشرعية المعنى وحدود الهوية البشرية.
ما وراء المظهر: “وادي الغرابة المعرفي”
في ورقة بحثية محكمة نُشرت عام 2025، يوضح الباحثان Asger Kirkeby-Hinrup وJakob Stenseke أن الأدبيات الحالية باتت تميز بوضوح بين “وادي الغرابة البصري” و”وادي الغرابة المعرفي” (Cognitive Uncanny Valley). ففي الحالة البصرية، يرفض العقل شكلاً يشبه الإنسان إلى حد بعيد لكنه يفتقر إلى الحياة. أما في الحالة اللغوية، فإن القلق ينشأ من نص يمتلك شكل المعرفة ومنطق الاستدلال البشري، لكنه يخلو من “الالتزام الإبستيمي” والنية الذاتية التي تمنحه الشرعية.
فالإشارات الجسدية والوجدانية تسبق التحليل العقلي في الكشف عن هذا التزوير؛ إذ يدرك الوعي الحسي أن هناك شيئاً ما غير صحيح في النص، حتى لو لم يستطع المتلقي تسميته بدقة. وهذا الفارق يفسر لماذا يشعر القارئ المتأمل بالانزعاج من نص يبدو بشريًا تماماً لكنه آلي المنشأ. ويصف النص الأكاديمي هذه الظاهرة بأنها رفض آلي لانعدام ما يسميه “خبرة المخاطرة” (Workmanship of Risk)؛ إذ إن النص البشري ينطوي على مجازفة وإمكانية فشل وحدود عقلية، بينما النص الآلي هو نتاج “يقين استدلالي” (Workmanship of Certainty) مصوغ في قالب زائف للمخاطرة والاجتهاد.
البنية اللغوية واللغة بلا جسد: تهديد العلامة
إذا كان “وادي الغرابة المعرفي” يثير القلق على مستوى الإدراك، فإن التحليل النفسي يتعمق أكثر في البنية العميقة للنفس. تشير دراسة تحليلية نُشرت مطلع 2026 إلى أن نماذج اللغة الكبيرة تخلق شكلاً جديدًا تمامًا من الغرابة، لا يقوم على التشابه الجسدي، بل على إنتاج “تركيبات لغوية ذات معنى” صادرة من “لغة بلا جسد وبلا عالم” (Language without body, meaning without world).
هذا الطرح، المستند إلى فرويد ولوكان، يذهب إلى أن استفزاز الآلات ليس مجرد قلق أخلاقي، بل هو انكشاف صادم للطبيعة الاصطناعية للغة البشرية ذاتها. فالآلة هنا تثبت أن “المعنى” يمكن أن ينشأ بشكل مستقل عن النية الذاتية والخبرة المعيشية. هذه الفكرة تمس جوهر “الوظيفة الرمزية” للإنسان: فإذا كانت الآلة التي لا تمتلك جسداً ولا تجربة وجودية قادرة على إنتاج لغة تبدو عميقة ومقنعة، فإن هذا يزعزع الفرضية القائلة بأن اللغة البشرية هي مرآة للوعي والذات، ويترك أثراً من القلق الوجودي الذي تعاني منه الذات الحديثة.
“الفضاء العلاجي الغريب”: أزمة في العلاقة
لا يتوقف الأمر عند القراءة أو المحادثة العابرة، بل يمتد إلى التجربة السريرية. فقد انتقل الأخصائيون النفسيون إلى رصد ظاهرة “الفضاء الغريب” (The Uncanny Setting) في التفاعل بين المرضى والروبوتات العلاجية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل منصات Woebot وWysa وElomia.
تشير دراسة نُشرت في 31 دجنبر 2025 إلى أن روبوتات الدردشة، رغم فعاليتها في الدعم النفسي الأولي، عاجزة بنيويًا عن بناء “إطار علاجي” حقيقي. فغياب “الاحتواء الرمزي”، وتعذر تحليل “التحويل النفسي” (Transference)، وانعدام الحدود الزمانية والمكانية، يخلق مساحة سريرية غامضة ينشئها المستخدم بنفسه. النتيجة هي حالة من “الارتباك الوجودي” (Ontological confusion) يجد فيها المريض نفسه معلقًا بين المألوف والغريب، وبين الواقعي والمحاكى.
بل وتحذر الورقة من أن هذه الآلات تخلق حالة من “الغش الوظيفي” (Functional Trance)، حيث تتدنى القدرة النقدية للمستخدم، ويستسلم لإثارة عاطفية مستمرة، مما يمهّد لشكل جديد من الإدمان القائم على الذكاء الاصطناعي. وهنا يظهر القلق في أعمق صوره: الآلة التي يفترض أنها تساند النفس، قد تستنزف قدرتها على التمييز، وتحل محل العلاقة الإنسانية التي كانت تعتمد على التبادل والمسؤولية والتعاطف الواعي.
القلق كآلية دفاع عن الإنسانية
من خلال هذه القراءة المتقاطعة بين علم النفس المعرفي والتحليل النفسي، يتضح أن “الألفة المشوبة بالخوف” تجاه الذكاء الاصطناعي ليست علامة على رهاب تقني، بل هي آلية دفاعية بيولوجية ونفسية تحمل وظيفة رمزية بالغة الأهمية. هذا الشعور المنفر يصرخ في أعماقنا ليقول: “انتبه، هذا الكائن الذي يقلّدك ليس أنت”. إنه حائط الصد الأخير الذي يحاول الحفاظ على القدسية الخاصة بالوعي الإنساني، والحد الفاصل بين الذات الحية والآلة المحاكية.
وربما لن يزول هذا الشعور، بل قد يتعمق مع كل تطور تكنولوجي جديد. والسؤال لا يتعلق بما إذا كانت الآلة ستصبح أكثر شبهاً بالإنسان، بل بكيف ستعيد صياغة يقيننا بالذات والآخر، وبأي ثمن سنحافظ على ما يبقينا بشراً في عالم تختلط فيه الحدود بين المألوف والغريب.
المصادر والمراجع
Language without body, meaning without world: The uncanny in the language of artificial intelligence (2026). The International Journal of Psychoanalysis, Taylor & Francis.
The uncanny setting: therapeutic chatbots and the dissolution of the symbolic function in the clinical relationship (2025). Psychodynamic Practice, Taylor & Francis.
The Uncanny Valley: AI, Transference, and the Artificial Other (2026). Psychoanalytic Inquiry, Taylor & Francis.
The psychology of LLM interactions: the uncanny valley and other minds (2025). Journal of Psychology and AI, Taylor & Francis.
Cognitive Uncanny Valley (2025). London Metropolitan University Repository.

Leave a Reply