فيروس كورونا المستجد: رُهاب الوباء

corona epidemy

الخوف الجماعي دائما موجود

طالما عبر الإنسان على مر التاريخ عن خوفه الشديد على مستقبل الجنس البشري. وشاعت منذ العصور القديمة مع حلول اقتراب نهاية حقبة وبداية أخرى أساطير قد تنبأت بنهاية العالم. وجاء في العهد الجديد من الكتاب المقدس أن فإن فيلقا من فرسان القيامة سيزرع بين الناس الحرب والموت والمجاعة، وستطلق الملائكة العنان للبراكين والمذابح واجتياح الحشرات. وبينما يرى البعض لهذا النص بعدا مجازيا، يعتقد آخرون أنها نبوءة لكوارث مستقبلية ستحيق بالأرض وأهلها.

لقد أثار الطاعون الأسود[3] والحروب الصليبية خلال العصور الوسطى إلى عصر النهضة بين الناس تخوفات ومخاوف من المستقبل أيضا. وفي السنوات القليلة الماضية، أشاعت الإنفلونزا الإسبانية[4] التي ظهرت سنة 2000 والهجمات الإرهابية رهابا اجتماعيا خطيرا بين المواطنين. أما الآن، و مع ظهور فيروس كورونا المستجد covid-19 وانتشاره السريع في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى المخاطر القاتلة الكامنة فيه[5]، تعيد مجتمعاتنا اكتشاف مخاوف الأسلاف التي عانوا منها على امتداد الأزمات التاريخية السابقة المختلفة.

الخوف والفزع

الخوف هو رد فعل يشعر به الإنسان عند تجربة موقف معين يراه خطرا عليه، سواء حصل له في الماضي أو قد يحصل في المستقبل. وليس من شك في أن المشاعر التي يعيشها سكان العالم في الوقت الراهن أمام فيروس كورونا المستجد هي شعور بالخوف، كيف لا وأن الخطر محدق الجنس البشري مهدد ككل.

ومع ذلك، يزداد هذا الخوف مع القلق. القلق هو الشعور بعدم الأمان والتهديد ويظهر في شكل حالات من الفزع والقلق أو في شكل أزمات أو نوبات متسارعة، على عكس الخوف، يظهر القلق على الشخص دون وجود خطر مباشر يهدده أو دون تحديد مصدر التوجس.

إذا كان القلق يؤدي إلى نتائج عكسية، فإن الخوف هو دافع أساسي للاحتياط، لاسيما لتكييف سلوكنا مع الوضع الحالي: تجنب المصافحة والعناق، غسل اليدين بانتظام، الحفاظ على مسافة الأمان متر واحد وخمسين مع المرضى، تجنب الذهاب إلى مناطق الخطر، إلخ. إن مجرد إنكار الخطر سيزيد من خطر تفشي الوباء من خلال عرقلة تنفيذ التدابير الوقائية الفعالة.

بينما يمكننا كبح الخوف عبر بث معلومات عقلانية وتقديم المشورة عند الاقتضاء، إلا أنه من الصعب التحكم في حالة القلق. وبالتالي، فإن اتخاذ تدابير وقائية مناسبة للقضاء على الوباء، مثل إغلاق المدارس أو عزل المرضى أو فرض الحجر المنزلي، يزيد من مخاوف السكان بدلاً من الحد منها. وبدلاً من النظر إليها على أنها احتياطات فعالة، يتم تفسيرها على أنها بوادر لخطورة الوباء.

مخاطر معروفة ومجهولة

لماذا نحن خائفون جدًا من فيروس كورونا عندما نتعرض يوميا لمخاطر عديدة؟ بالطبع ، ليس من غير المنطقي أن نشعر بالقلق حيال وباء فتاك، ولكن الاستهلاك المفرط للأطعمة الدهنية والسكريات، والتدخين أو القيادة تحد تأثير الكحول يعرضنا أيضا لخطر المرض والموت.

ما يميز إدراك هذه المخاطر اليومية وإدارتها هو وتيرتها. فتكرارها يجعلها مألوفة. لقد تعلمنا السيطرة عليها عن طريق التقليل منها (“يجب أن نموت يوما ما”، “أقود بعناية أكبر عندما أشرب”، “أنا لا أعيش بعيدًا، لا يمكن أن يحدث لي شيء على رحلة قصيرة، وما إلى ذلك) أو من خلال اللامبالاة (“أفضل عدم التفكير في الأمر”، “أعرف أنه يجب علي الإقلاع عن التدخين ولكني أمر بوقت عصيب، هذا ليس الوقت المناسب”، “أنا شاب ، أريد الاستفادة منها قبل فوات الأوان”،” في عمري، إنها المتعة الوحيدة التي تركت”،” أعلم أنه يمكن أن يقع لك حادث على الطريق لكنني لا أفكر في ذلك”، وما إلى ذلك). على العكس من ذلك، فإن وباء كورونا المستجد يعرضنا للمجهول وفقدان السيطرة والشعور بالعجز.

وبالتالي، فإن الأسباب التي تكمن وراء المخاوف الاجتماعية ليست الخطر الحقيقي بل التمثيل الذي نقدمه لها.

مسبار الضيق الاجتماعي والمصاعب الشخصية

إن وباء الفيروس التاجي يكشف ويثير مخاوفنا الكامنة، الفردية والجماعية، بشأن مستقبل مجتمعنا ومستقبل العالم. إن القلق الناجم عن عدم استقرار العلاقات الأسرية وانعدام الأمن الوظيفي والأزمة الاقتصادية والاحتباس الحراري والتهديد الإرهابي يجد مع هذا الوباء منفذا للتركيز والتعبير عنه. كما ينعكس هذا الشعور بالضيق الاجتماعي الخفي أيضًا في أزمات أخرى مثل تلك الخاصة بالسترات الصفراء على سبيل المثال. أما على المستوى الفردي، يمكن أن ينشط خطر الفيروس أو يزيد من الصعوبات الخاصة بحياتنا.

كبش الفداء

يظهر في مختلف الأزمات، مهما كانت، ما نسميه بكبش فداء. يعاني المواطنون من شعور بعدم الأمان وبالتالي يحتاجون إلى حماية أنفسهم. وللوقاية من الخطر، من الضروري تحديد مصادر الخطر. على الرغم من أن هذا الموقف لا طائل من ورائه، إلا أن الآسيويين والإيطاليين والمصطافين العائدين من مناطق الخطر يتم اتهامهم بشكل متكرر على أنهم مسؤولون عن انتشار الوباء ويساهمون في تصاعد أجواء الريبة والتوتر.

انعدام الثقة بالسلطات

في عام 2016، أفاد بارومتر ايديلمان Edelman أن أكثر من نصف سكان العالم ليس لديهم ثقة كاملة في مؤسساتهم[6]. إن انهيار الاقتصاد والظلم الاجتماعي وتزايد عدم المساواة والأزمات المالية وإساءة استخدام الممتلكات الاجتماعية والفساد وأزمة الهجرة والأزمات البيئية تساعد على تقويض ثقة المواطنين.

قد يتهم البعض المؤسسات الصحية والسلطات الحكومية بخلق رعب عام من أجل غض النظر عن الأزمات الاقتصادية. على العكس من ذلك، يعتقد البعض الآخر أن السلطات لا تتخذ التدابير اللازمة التي، من وجهة نظرهم، ضرورية، ويشتبهون في أن لهم مصالح في استمرار الأزمة. كانت الأوبئة تُنسب في السابق إلى الإرادة الإلهية، ثم يُنظر إليها على أنها كوارث طبيعية غير أنها باتت مُسيّسة.

يخلق الشك في السلطات ظروفًا مواتية للتآمر ويسمح لها باكتساب أتباع في حالة الاضطرابات أو المآسي.

الأخبار الزائفة

تظهر الشائعات حتمًا بين السكان القلقين، مما يزيد من تعزيز مناخ الخوف الجماعي. لم يستغرق الأمر أكثر من بضعة أسابيع منذ ظهور وباء كوفيد 19 لرؤية الأخبار الزائفة تبدأ في الانتشار. وفقًا للشائعات التي لا أساس لها والتي يتم تداولها بشكل مكتف على موقع فيسبوك، فإن فيروس كورونا هو سلاح بيولوجي.

يلعب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في خلق ونشر الشائعات المثيرة للقلق. تشكل الأزمات عادة العديد من عمليات تبادل المعلومات؛ كلما زاد حجم المعلومات المتبادلة، كلما زاد خطر انتشار الأخبار الكاذبة والشائعات. لذا يسبب الانتقال من مرحلة المرض إلى مرحلة الوباء إثارة وتعزيز نظريات المؤامرة.

وسائل الإعلام

إن دور الإعلام في أزمة الوباء عملية صعبة. بحكم التعريف، الأزمة هي حالة غير منضبطة أو على الأقل تدار بصعوبة. تتصارع الأحداث وتكثر التقارير الإخبارية. يتم اتخاذ قرارات سياسية وصحية في حالات الطوارئ وتتدفق ردود الفعل من جميع الجهات، إلخ. هناك الكثير من المواضيع المتصلة في الصحافة المكتوبة، المرئية والإلكترونية.

بالنسبة لوسائل الإعلام، هناك العديد من المزالق: التوتر الناتج عن الطوارئ، وصعوبة التحقق من المعلومات المتطورة باستمرار، وخطر نقل الشائعات، وضغط البث المباشر، والتضخيم المفرط، وخطر الإثارة غير مبررة، والإفراط في التقاط الصور الصادمة ، رفع نسب المشاهدة، إلخ.

حاجة الفرد إلى المعلومة

في هذه الحالة الطارئة، تلعب وسائل اتصالات محددة دورًا هامًا: خلية تواصل الأزمات ووسائل إبلاغ المخاطر. الهدف الرئيسي من التواصل في الأزمات هو إعلام المواطنين بالوضع الحالي والمستقبل القريب. ينتظر السكان معلومات عن الأحداث (العدد التقريبي للضحايا، في أي مكان، والتنبؤ بالأحداث المحتملة وقوعها، وما إلى ذلك)، والتدابير المتخذة للقضاء على الوباء والجهود المبذولة لضمان الرعاية الصحية للجميع.

الإبلاغ عن المخاطر لا ينفصل عن إدارة الاتصالات في أوقات الأزمات. والغرض منه هو إعلام السكان بالمخاطر المحتملة التي قد يتعرضون لها (خطورة الإصابة بالفيروس بالنسبة للفئات الضعيفة مثل المسنين ومرضى السكر والذين يعانون من مشاكل في الجهاز التنفسي، وما إلى ذلك) وكذلك التدابير التي يتعين اتخاذها والسلوكيات الواجب تتبعها في ظروف معينة (على سبيل المثال، التدابير الوقائية مثل البقاء في المنزل في حالة المرض والعطس في ثنية المرفق وعدم التصافح وغسل اليدين والمناطق الجغرافية التي يتوجب عدم زيارتها، وما إلى ذلك).

إذا شعر المواطنون أن السياسيين أو وسائل الإعلام يخفون معلومات مهمة، فإن قلقهم يتزايد ويصبح، كما رأينا، مصدر إشاعات مثيرة للقلق ونظريات تآمريه غريبة. يمكن للقلق والأخبار الزائفة أن يسببان حالات هلع يصعب احتواؤها في أي وقت. من أجل منع  وقوع مثل هذه الأحداث، فإن نشر المعلومات الصحيحة ضرورة ملحة. إنها تبطئ خيال العدو، وإذا لم تساعد في تجنب العواقب الضارة للحدث على الأقل. إذ تبطئ وتيرة الأوهام وتساعد في تجنب العواقب الوخيمة على الأقل لانتشار الأحداث.

معلومات مستمرة

إن الطبيعة الاستثنائية لوباء كورونا تؤدي إلى النشر المستمر للمعلومات. تنتشر على الإذاعة والتلفزيون نشرات خاصة باستمرار. قد تتطرق الصحافة لحالات خاصة لأن بعض الناس يعتبرون الوباء خطر شخصي. يحرصون على تضخيم المخاطر ويبحثون عن المعلومات ويسعون للحصول على آخر الأخبار. وبالتالي فإن خوفهم يولد جاذبية حقيقية لوسائل الإعلام. يصبحون أكثر ارتباطا بوسائل الإعلام التي تضعهم في وضع سلبي مخيف اتجاه تطور الأحداث.

إن الإفراط في استهلاك المعلومات لا يزيد من معرفة الحقائق. ولكن بتكرارها، فإن هذه المعلومات تعكس الطريقة التي ينظر بها الشخص إلى الواقع. إنها تأخذ الشخص إلى عالم ينعدم فيه الأمن الحقيقي والخيالي في كل مكان. إن حاجة الفرد للأمن تدفعه إلى التماس المعلومات، ولكن من المفارقات أنها تبقيه قلقا.

باعتراف الجميع، من المهم أن تفكر وسائل الإعلام في كيفية التعامل مع مواضيع حساسة ومعقدة مثل تلك المتعلقة بالوباء. ومع ذلك، في طريقة استهلاك المعلومات اليوم، لا يمكننا تجاهل وسائل التواصل الجديدة: الإنترنت والشبكات الاجتماعية والرسائل القصيرة وما إلى ذلك. لا يمكن إعفاء المستهلك من مسؤوليته في البحث عن المعلومة. يجب على الفرد أن يكون متيقظا لتجنب الاعتماد على الأخبار ويفضل، على سبيل المثال، وسائل الإعلام الإذاعية والمطبوعة بالنظر إلى مصداقيتها.

الحمل الزائد

بعد فترة من أسبوع إلى عشرة أيام، تؤدي الوتيرة السريعة ومضاعفة المعلومات المخيفة والتحذيرات الأمنية إلى تأثير التشبع. في الأسابيع الأولى بعد بدء الوباء، يشعر الناس بالحاجة الماسة إلى التحدث عنه ويسعون بنشاط للحصول على المعلومات. شيئًا فشيئًا، تتراجع هذه الحاجة وهم يرغبون، إن لم ينسوا، على الأقل في تشتيت انتباههم والعثور على نمط حياة طبيعي قدر الإمكان. ومع ذلك، فإن فترات “الإنكار” التي يتم التخلص فيها من الخطر تظهر لحظات بديلة من القلق. التذكير بالخطر القائم من طرف وسائل الإعلام قد يحدث مرارة شديدة.

مسائلة وسائل الإعلام

“إنه خطأ الإعلام” ، “توقفوا عن الهوس!” بعد بضعة أسابيع، انتشرت انتقادات عدة حول الإدارة الإعلامية للوضع الوبائي. أصبحت وسائل الإعلام في وضع المتهم الذي لا رجعة فيه. إنهم مسؤولون عن تضخيم مناخ الرعب، ومتهمون بتخويف الرأي العام من خلال نشر الأخبار المقلقة؛ يشككون في حقيقة الوباء، يشتبه في أنهم يقفون مع السياسيين ويستخدمون التهديد لوقف الشؤون التي تعرقل السلطة، إلخ. على العكس، إذا أظهروا اعتدالًا في هدا الصدد أو إذا مرت عدة أيام دون بث أخبار حقيقية، يُشتبه في حجبهم للمعلومات التي قد تقلق السكان.

إن المهمة ليست سهلة بالنسبة لوسائل الإعلام التي تغرق في دوامة الأزمة. يبدو أن العثور على الموضع الصحيح بين الإفراط في المعلومات وندرة المعلومات يمثل تحديًا واضحا.

خلاصة

إن حداثة فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 وانتشاره السريع ومعدل الوفيات ليست كافية لتفسير الخوف الجماعي الذي يثيره. يلعب إدراك الأسلاف للمستقبل، والمرض الاجتماعي، والصعوبات الشخصية، وانعدام الثقة بالسلطات العامة والمؤسسات الصحية، والإفراط في وسائل الإعلام، وانتشار الأخبار الزائفة، دورًا مهمًا في زيادة قلق الناس من هذا الوباء. وكلما زاد انتشار البؤر الوبائية، زادت صعوبة السيطرة على الوباء. ولعل الأكثر صعوبة هو السيطرة على القلق الجماعي الذي يولده.

[1] ترجمة للمقال التالي:

Josse Eveline (2020). L’épidémie de peur du coronavirus. http://www.resilience-psy.com/spip.php?article408

[2] محاضرة في جامعة لورين (ميتز) بفرنسا وطبيب نفساني. عملت إيفلين جوس في منظمة أطباء بلا حدود في فيتنام في مكافحة وباء سارز (فيروس كورونا) وكذلك في جمهورية الكونغو الديمقراطية وفي غينيا من أجل وباء الإيبولا.

[3] قتل الطاعون الأسود ما يقرب 25 مليون شخص ما بين عامي م1347-1352م. عبارة “يرحمك الله” تردد للشخص الذي يعطس إلى يومنا هذا. يعود استعمالها في الغرب  بشكل شائع إلى وباء الطاعون الرهيب هذا. كان العطس أول أعراض المرض. “يرحمك الله” كانت طريقة للدعاء بالشفاء ودرء المرض.

[4] في عامي م1918-م1919 ، هلك بسب الأنفلونزا الإسبانية 50 مليونًا وفقًا لإحصائيات لمعهد باستور وما يصل إلى 100 مليون وفقًا للتقديرات الأخيرة الجديدة.

[5] يُقدَّر معدل وفيات فيروس كورونا المستجد بـ 3٪ لدى الأشخاص الذين يعانون من أعراض.  قد يتراجع هذا الرقم ارتباطا بنسبة تعافي الحالات المسجلة من المرض.

[6] Edelman Trust Barometer (2016) En ligne : www.edelman.com/2016-edelman- trust-barometer

Leave a Reply

Your email address will not be published.