افتتاحية الثعلب (44)

افتتاحية الثعلب (44)

الثعلب والساحرة المُستديرة.. وهذيان في الملعب

انسوا لوهلة رائحة البارود، وانسوا الفأرة التي نجت بجلدها، وانسوا فلسفة الخوف التي صدعتُ رؤوسكم بها. اليوم، أنا أطل عليكم من ربوة عالية تطل على “سهل أخضر” غريب، لا زرع فيه ولا ضرع، بل عشبٌ مُهندَس بعناية تفوق عناية الطبيعة، ومحاطٌ بأضواءٍ تحيل الليل نهاراً.

لقد قادني فضولي، أو ربما الضجر من سكون الغابة، لأقترب من هذا الصخب البشري الهائل الذي يسمونه “نهائيات كأس أمم أفريقيا 2025”.

في عُرفنا نحن معشر الحيوان، الركض يعني شيئاً واحداً: إما مطاردة فريسة لتأكل، أو الهروب من مفترس لئلا تُؤكل. الطاقة عندنا ثمينة، لا تُهدر إلا في سبيل البقاء.

أما هنا، في هذا “المسرح المستطيل” وتلك الغشاوة المليئة بالهواء التي يسمونها “كرة”، فأنا أرى مشهداً عبثياً بامتياز. اثنان وعشرون رجلاً، في كامل قوتهم وعنفوانهم، يركضون بجنون خلف “شيء مستدير” لا يُؤكل! جلدٌ منفوخ بالهواء، يتقاذفونه بأرجلهم، ورؤوسهم، يطاردونه كما أطارد أرنباً برياً، لكنهم حين يمسكون به.. لا يأكلونه! بل يركلونه بعيداً مرة أخرى!

أي نوع من الصيد هذا الذي لا ينتهي بوجبة؟

ثم انظروا إلى تلك الحشود على المدرجات. عشرات الآلاف يهتفون بصوتٍ واحد أشبه بزئير أو زمجرة، زئيرًا لو سمعه أسد الغابة لفرّ هاربًا. طبولٌ تقرع بريتمٍ أفريقيٍ حار، ألوانٌ صاخبة، رقصاتٌ هستيرية، وبكاءٌ مرير أو فرحٌ غامر. وكل هذا لماذا؟ لأن الكرة المستديرة دخلت بين ثلاثة أعمدة خشبية، أو لأنها لم تدخل! عجيب أمر البشر … !

لقد راقبتهم طويلاً. رأيت فيهم “المكر” داخل رقعة الملعب، والذي ندعيه لأنفسنا؛ رأيت كيف يخادع اللاعب خصمه بحركة جسدية يسمونها “مراوغة” مثلما يراوغني الأرنب السريع، وكيف يتسلل المهاجم خلف المدافعين كما أتسلل خلف قن الدجاج. رأيت “سرعة الفهد” و”قوة الثور” و”وثبة الغزال”. إنهم يستخدمون كل مهارات الغابة، لكن في “حرب وهمية” تسمى “كرة القدم”.

يبدو لي، وأنا الثعلب المراقب من الخارج، أن بني البشر قد اخترعوا هذه اللعبة لترويض طاقتهم الداخلية. إنهم يفرغون طاقة الصيد والقتال في مساحة آمنة، تحكمها صفارة وحكم، بدلاً من أن يفرغوها في حروب حقيقية (وإن كانوا يفعلون ذلك أيضاً للأسف).

هذه البطولة الأفريقية تحديداً، لها نكهة مختلفة. رائحة تشبه أرضنا الأولى. فيها شغفٌ، وحرارة لا تجدها في ملاعب الشمال الباردة في أوروبا وغيرها. إنهم يركضون وكأن حياتهم تتوقف على تلك الركلة، لا مجرد لقب أو كأس معدنية.

إنها أشبه بـِ “هذيان جماعي” مدهش. كيف يمكن لكائن عاقل أن يبني حضارات ويصعد للقمر، ثم يفقد عقله تماماً لمجرد أن كرة جلدية لامست الشباك؟

في هذه المغامرة المغايرة، تعلمت درساً جديداً عن بني البشر: إنهم الكائن الوحيد الذي يمكن أن يجوع، ويعطش، ويدفع ماله، ويسافر آلاف الأميال، لا ليشبع بطنه، بل ليشبع “خيالاً” جماعياً اسمه الانتصار الكروي.

عُرفنا القديم كان عن وليمة الخوف. أما عُرفنا الجديد، ونحن نراقب نهائي كأس أفريقيا، فيقول: “في منطق البشر العجيب، قد تكون متعة مطاردة الوهم المستدير، ألذ وأشهى من أكل الفريسة الحقيقية.”

أترككم الآن، فقد علا صراخهم.. يبدو أن أحدهم سجل “هدفاً” في المرمى الفارغة، آه نسيت هناك شخص يحرسها تحت مسمى “حارس المرمى” !

أراكم قرائنا الأعزاء في القابل من الافتتاحيات…

Leave a Reply

Your email address will not be published.