الجزء الأول: الثعلب والرؤية الفكرية في السياسة العالمية
إن عالم الجغرافية السياسية هو اليوم وليد لحظات سابقة كانت فيها مواجهات بين إمبراطوريات وأحلاف، وهو اليوم يسير على سير الأمم السابقة لكن بوتيرة محمومة، وأنا بصفتي الثعلب المراقب والحكيم الحذر أحب أن أدلو بدلوي بين الدلاء، وبصفتي أيضا منظرا من الطبيعة في عالم المكر والاستراتيجيا والذكاء والاختراق. إن حالة الثعالب هي تجسيد للحكمة المودعة في الطبيعة، وهي حكمة تعطينا القدرة على التنقل بين المواقف المعقدة وأكثرها صعوبة ببراعة ودقة بالغتين. إن المعالجة السياسية في استعارة الثعلب كشخصية سياسية بامتياز ومحاولة فهم الساحة السياسية العالمية، هي بحق مجال الثعلب بامتياز، حيث الأخطار في الطبيعة عالية، وتحالفات الوحيش والنبيت متقلبة، وغريزة الحذر هي إكسير الحياة وقيمة أساسية فضلى بين الدول والحكومات، وهذا ما تفعلونه أنتم بنو البشر فيما بينكم !
الأمر المطلوب في هذه السياسة العالمية كما ينظر لها الشهير مكيافيلي في كتاب الأمير هي المزج بين الحسابات والبراغماتية، والثعلب شبيه بالسياسي إلى حد كبير في قدرته على فك تعقيدات السلطة، وتوقع حركات خصومه وفرائسه، والقدرة على المناورة في بيئة لها طابع التغير في قواعد اللعبة باستمرار مكثف. يذكرني أيضا ههنا ”صن تزو” في كتابه ”فن الحرب” بأهمية معرفة الخصوم، بل الأهم أن تعرف نفسك أولا لتحقيق انتصارات دائمة وساحقة.
أنا كثعلب لولبي التفكير دوما، أشبه السياسة العالمية بحلبة قتالية تتطلب المرونة العقلية والتكيف، كما أوضح ذلك داروين في كتابه ”أصل الأنواع” قائلا بأن الأقوى ليس هو الذي ينجو، بل أولئك الذين يعرفون كيفية التكيف ! تعد السياسة الدولية في حجم مواجهاتها في قلب الأرض بين الدول مثالا مناسبا على القدرة على التكيف كضرورة للتنقل بين الأزمات وتغييرات الأنظمة والحروب والتطورات الاجتماعية والاقتصادية. الثعلب أيضا هو في الطبيعة يجسد كل هذا حينما يعرف متى يضرب، ومتى يكون متحفظا، والأهم في كل ذلك متى يغير التكتيكات لضمان بقائه وبقاء نسبه ومصالحه، كي يستمر على المسرح العالمي مثلما تفعل أمريكا أو الصين مثلا !
روح الثعلب السياسية ماثلة في البشر، ويغذيها فهمهم العميق للديناميكيات التاريخية والثقافية والطبيعية، فالثعلب هو أيضا مثال للبشر بصفته مؤرخا وعالم اجتماع وعالم نفس قدر على التكيف عبر الأزمنة لفهم القوى المرئية وغير المرئية تماما كما فعل البشر من خلال إنشاء الأمم وتسيد القادة، فالثعلب أيضا حيوان لكنه رمز سياسي، ويتسعير منه البشر الفكر السياسي، والحكمة القديمة والقدرة على التكيف، في عالم يندر فيه اليقين…
إن عالم ثعلبي معقد يخوضه الثعلب والبشر في عالمين متوازيين متماثلين لكن غير متشابهين …
(يتبع…)

Leave a Reply