الجزء التاسع: خرائط النفوذ وحدود النار (9/10)
في ليلة من ليالي الغاب الباردة قليلا رغم أن الربيع قد حل، وهما متحلقان حول نار هادئة، انبرى الثعلب أمام أوارها وهي موجودة من جذوع صغيرة يابسة، بينما جلس على بعد مسافة صغيرة هنري كسنجر إلى حواره وجواره، وهما يدفئان ليلتهما قبل البدء بصمت أشبه بهدوء ما قبل الحرب الكلامية.
أومأ الثعلب برأسه قبل أن يستهل: يا هنري، لا أخفيك أني قد سمعت سالفا عن رحلاتك بين كبريات العواصم العالمية، من موسكو وبكين وواشنطن وباريس، عن غرف مغلقة وصمت ثقيل كان يخرج قرارات حاسمة ترسم خريطة العالم في كل مرة، كيف كنت تراك تقنع الخصوم بالتنازل دون الشعور بغثيان الهزيمة ومرارتها؟
كسنجر بصوت منخفض فيه نبرة من الحدة: الدبلوماسية الناجحة ليست عشاء فاخرا، وليست إطلاقا دبلوماسية الفنادق، بل هي لا تسعى لإلغاء الآخر، بل لمنحه مخرجا يحفظ ماء وجهه إذا شئنا. كنت حينها أدير دفة المفاوضات كأني أكتب في تاريخ العلاقات فصلا جديدا، في ڤيتنام مثلا والشرق الأوسط، وغيرها من بقاع العالم، لم يكن الهدف البتة هو النصر دوما، بل في أحيان كثيرة وقف النزيف، وإنهاء الصراع، فمن يطلب نصرا كاملا في اعتقادي هو يخسر السلام، ومن يبحث عن النصر الدائم فهو واهم ويظن خلاف الحقيقة.
الثعلب متسائلا بتركيز: أنا أتفهم كل ما طرحت، لكن هل يمكن في النهاية التوفيق بين مصالح متعارضة؟
رد كسنجر بهمة: هذا أمر ليس دائم التحقق، لكن يمكن خلق توازن نسميه ”توازن الردع”، أي أن كل طرف من الأطراف يعرف حدود قوته، ويتم منحه ما يكفيه على الأقل ليشعر أنه لم يُهزم، وهذه هي حالة توقيع الاتفاق. القوة كما أقول دوما لا تكفي لوحدها، والذكاء الخصيب هو بناء نقاط التقاء انطلاقا من هواجس ومخاوف الآخرين، وعدم جعل الصراع يتحول إلى انفجار.
الثعلب متأملا قليلا ثم قال:
إذن يمكن القول أن السلام ليس نقيض الحرب، بل هو نتيجتها الذكية، أي أننا في حرب أحيانا من داخل منظومة السلام!
ابتسم كسنجر: هذا حقا ما لا يفهمه كثار صناع الضجيج والأصوات المرتفعة والمرافعات الجهورية، العالم لا يدار بالصوت المرتفع، بل بالمحادثات الطويلة خلف الأبواب الموصدة الثقيلة.
في تينك اللحظات، سكتت النار كأنها خبت مع سرعة نفاذ وقت المحاورة، لكن ظلالها التي ظلت تخبو مع هبوب رياح ليلية خفيفة أطفئتها بهدوء كانت كأنها تسجل شهادتهما على عصر المفاوضات والعلاقات الدولية.

Leave a Reply