FOX TO FOX (7/10)

كسنجر

الجزء السابع: دهاء المعرفة وحدود الفطنة (7/10)

انعقد اللقاء السابع هذه المرة تحت شجرة زيتون ضاربة بجذورها في ذاكرة الأرض، وأغصانها التي لا زالت تتبرعم مع كل ربيع تهمس في عمقية الزمكان بأسرار الفصول والسنين، وكان النسيم العابر في عباب الجو يمر خفيفا، كأنه يحمل معه نكهة الحكمة القديمة وبعض الرؤى المكانية والزمانية البعيدة التليدة.

الثعلب (يمسح بيده لحاء الشجرة الخشن): سيد كسنجر… هلا أخبرتني، عن المعرفة، وهل هي قوة كما تبدو أم أنها تتحول أحيانا إلى عبىء تنوء بحمله الجبال؟

كسنجر (مراقبا سرب طيور مهاجرة): أصبت إلى حد ما أيها الصديق، المعرفة قد تستحق التشبيه بالنار، فهي في ملك الحكيم تصبح ضوء وهداية ونورا، بيد أنها في يد الأرعن تصير عبارة حريق وشواظ مدمران. أحيانا، تكون المعرفة أيضا إذا كانت فوق الحد اللازم، أو أكثر مما تحتمل، أنها قد تفقدك بساطة القرار، وتغرقك في تردد قاتل ولعين.

الثعلب (ممسكا بورقة زيتون مايلة): إذن، متى يمكن أن نقول بأننا نعرف، ومتى لا يمكن، ومتى نعرف أن علينا أن نعرف، ومتى نعرف أن علينا أن نجهل ؟ هل هذا ممكن حقا ؟

كسنجر (مبتسما بحذر الدبلوماسي): ذاك هو سؤال الفظنة، وهو سؤال غاية في الأهمية، ثم إن ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال يجب أن يُفهم. إن الحكيم في اتخاذ القرارات، “يختار معاركه كما يختار معارفه”؛ معناه أن نور معرفته يعرف متى يضيء ومتى يخبو، متى يظهر ومتى ينجلي، تماما مثل النور والعتمة.

الثعلب (يتفكر فيما قيل كمن يمضغ المعنى ببطىء): (…) وهل الصمت أحيانا من أعلى درجات الذكاء ؟

كسنجر (ينظر نحو الأفق): الصمت له ثمن أحيانا، لكنه أشبه بالسيادة، هو شكل من أشكال السيادة. من يصمت حين يجب الصمت، يقول العديد من الأشياء دون أن ينبس ببنت شفه، ودون أن ينطق حرفا واحدا.

الثعلب (بدهاء ومكر الثعالب): ولكن ألا يُساء فهم الصامت أحيانا كثيرة؟ ألا يبدو في نظر البعض جبانا أو جاهلا أو ضعيفا حتى؟

كسنجر (بصوت منخفض كأنه يبوح بسر): وليكن ذلك! دعهم يظنون ما يشاؤون. من الخطأ بداية أن تشرح لمن قرر ألا يفهمك، والذكاء الحقيقي هو في توزيع الصمت والكلام كمن يوزع الماء على الحقول، أن تكون أشبه بالمزارع في حقله.

الثعلب (مغلقا عينيه لوهلة كأنه يحاول حفظ الكلمات): إذن أنت تدعو المرء كي يكون حارسا أمينا على كلامه وكلماته لا سيدا عليها؟

كسنجر (ينهض ببطء، ويلوح برأسه):
كن حارسا أمينا لكلماتك… وسيدا لمواقفك.

يبتعدان بعد ذلك تحت ظلال أشجار الزيتون، ومع كل خطوة تختفي أصواتهما وآثارهما، كأن الحوار يعد بجديد في الأيام المقبلة….

Leave a Reply

Your email address will not be published.