Fox to Fox (1)

هنري كسنجر والثعلب

حوار بين الراحل هنري كسنجر والثعلب (1/10)

في غابة منسية بين مطلات أطراف العالم، ضرب الثنائيان موعدا لمحاورة ملحمية، بين ضروب الذكاء السياسي ودهاء الغاب والدغل، السياسي المخضرم الراحل، الملقب بثعلب السياسة الخارجية في أمريكا سابقا، وثعلب حاد الذكاء ثاقب النظر والفكر. لم يهتما إطلاقًا أي شجرة سيختاران ظلها والحديث تحتها وتبادل رصاصات الحوار والجدال، وارتداء خوذات الدفاع عن الأفكار ووجهات النظر الفلسفية الثاوية خلف عمق الحكمة ودهاء السياسة.

الثعلب بادئا : يا سيد كسنجر، أنت من بني البشر الذين أتقنوا فن السياسة جدا، بيد أني أرى بين عالمكم وعالمي تشابها غزيرا وعميقا. أليس حقا قانون الغاب سوى صورة شبيهة بقوانينكم ؟ بعبارة أخرى الأقوى يفرض سيطرته، وأن المكر وسيلة للنجاة.

كسنجر (مبتسما) : ربما لا، وربما نعم أيها الثعلب. ولكن في فنون السياسة القوة ليست دائما عضلية بل استراتيجية. فن السياسة وإدارة الحكم يقوم على موازين غاية في الدقة إذا أتقنتها فقد برعت في كل شيء فيها : هناك تحالفات ومفاوضات، حروب باردة وحروب ساخنة ماحقة، وسلام مشروط وهدنة طويلة أو مؤقتة. فكيف تقارن الغاب بسياساتنا؟

الثعلب (واثقا): في الغابة يا سيد كسنجر، لا أوقع معاهدات، بل أنسج خيوط المكر لأبقى على قيد الحياة. لكنني أعترف : ربما سياساتكم شبيهة أحيانا بقوانيننا في الغاب، لكن دبلوماسيتكم وسياساتكم أكثر تعقيدا. فحسب كلامكم أنتم تخلقون أعداء وحلفاء في آن واحد. أما في الغاب، فإن العدو صريح وواضح وجلي، والأغرب أنكم تحولون الأصدقاء إلى منافسين أيضا!
كسنجر مجيبا بهدوء : وهذا هو جوهر السياسة، أن تتحكم في اللعبة برمتها دون أن تسقط قطعها جميعا. الغابة في مفهومكم أيضا تبقى على البقاء، والسياسة عندنا أيضا تنبني بشكل من الأشكال على الهيمنة المستدامة.

الثعلب مجيبا بنبرة حكيمة : في النهاية الغاية واحدة، البقاء سواء كان الأمر بأسناني الحادة ومخالبي المدببة، أو بتقارير حقيبتك الدبلوماسية التي تخطها بقلمك، لا فرق في جوهر الأدوات تقريبا.

كسنجر معقبا : ربما. لكن البقاء في عالمكم يعني النجاة، وفي عالمنا يعني كتابة التاريخ، تاريخ المنتصر والمهيمن.

رد الثعلب مبتسما بخبث: إلى حد ما أنت محق. لكن تذكر : التاريخ في النهاية يكتبه الأقوياء سواء بأنيابهم الطويلة أو بعقولهم الحاذقة.

قهقه كسنجر دون أن يرد، ونهضا تاركين المكان خلفهما، على أن يعودا في محاورة جديدة…

Leave a Reply

Your email address will not be published.