إذا كان عام 2025 عام الصدمات المتتالية، فإن عام 2026 يسير بسرعة ليكون عام التحولات الهيكلية التي قد تعيد رسم خريطة العالم لعقود قادمة. تقارير كبرى من مراكز أبحاث مرموقة مثل “ستراتفور” و”مجموعة أوراسيا” ترسم صورة قاتمة لعالم يواجه مخاطر مترابطة، من حروب تجارية تكنولوجية إلى أزمات مياه وشيكة .
حرب الرقائق: الصراع الصامت
في أكتوبر 2025، اتفقت الصين والولايات المتحدة على تعليق بعض ضوابط التصدير والقيود التكنولوجية، ورفع الرسوم الجمركية المفروضة على كل منهما حتى منتصف نوفمبر . لكن هذا الهدنة الهشة قد لا تصمد طويلاً. وفقاً لتقرير ستراتفور، فإن كلاً من البلدين لديه مصلحة استراتيجية في فرض المزيد من القيود على الآخر، لا سيما مع نضوج تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يُنذر بخطر انهيار الاتفاق أو عدم تمديده .
المادة الخام الأكثر حساسية في هذا الصراع هي “العناصر الأرضية النادرة”. الصين تسيطر على الجزء الأكبر من إنتاج وتكرير هذه المعادن الحيوية التي تدخل في صناعة كل شيء، من السيارات الكهربائية إلى الصواريخ. أي انهيار للاتفاق التجاري قد يعني تقييد الصين لصادراتها من هذه المواد، الأمر الذي سيؤثر بشكل كبير على الإنتاج في صناعتي السيارات والطيران العالميتين .
لكن المفارقة أن حتى في حال عدم انهيار الاتفاق، فمن المرجح أن تظل الموافقات الصينية على صادرات العناصر الأرضية النادرة بطيئة ومعقدة، مما يبقي حالة عدم اليقين قائمة .
الفجوة التكنولوجية: الصين تتقدم وأمريكا تتراجع
تقرير أوراسيا للمخاطر العالمية يضع “فجوة الطاقة والتكنولوجيا” كثاني أكبر خطر عالمي في 2026. المشكلة ليست فقط في التنافس التجاري، بل في تحول هيكلي في ميزان القوة التكنولوجية. فالصين تركز سيطرتها على تقنيات الطاقة النظيفة والكهرباء، بما في ذلك البطاريات والروبوتات والذكاء الاصطناعي، وهي المجالات الحيوية لاقتصاد القرن الحادي والعشرين .
في المقابل، تعاني القيادة الأمريكية من تراجع في هذه المجالات، رغم الجهود الكبيرة لإعادة التصنيع المحلي عبر “قانون الرقائق” وغيره من التشريعات الداعمة.
أوروبا تحت الحصار
أوروبا تواجه عاماً عصيباً على عدة جبهات. فإضافة إلى أزمة غرينلاند مع الولايات المتحدة، تعاني القارة العجوز من انهيار المركز السياسي في قواها الكبرى في وقت واحد، مما يتركها غير قادرة على ملء الفراغ الأمني الذي خلفه الانسحاب الأمريكي التدريجي .
كما أن الاتحاد الأوروبي يواجه “جبهة روسية ثانية”، حيث يتحول الصراع في أوكرانيا من حرب خنادق تقليدية إلى “حرب هجينة” مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي . هذه الحرب الجديدة تشمل هجمات سيبرانية، وحروب معلومات، وتخريباً للبنية التحتية الحيوية، مما يجعل المواجهة أكثر غموضاً وأصعب في الاحتواء.
الذكاء الاصطناعي “يلتهم” مستخدميه
تقرير أوراسيا يحذر من خطر ثامن لا يقل خطورة: “الذكاء الاصطناعي يلتهم مستخدميه”. الفكرة أن ضغوط الربحية قد تدفع شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى تبني نماذج عمل “استخراجية”، تركز على استخلاص أكبر قدر من البيانات والاهتمام من المستخدمين، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي .
نحن نتحدث عن نماذج أعمال تعتمد على التلاعب النفسي، واستغلال نقاط الضعف البشرية، وتعزيز الاستقطاب، كل ذلك باسم زيادة التفاعل وتحقيق الأرباح. المخاوف من أن تصبح هذه الأدوات التقنية “أفيوناً رقمياً” جديداً باتت حقيقية.
الشرق الأوسط: استراتيجية الاستنزاف الإسرائيلية
تقرير ستراتفور يتوقع أن تعتمد إسرائيل خلال 2026 استراتيجية “التناوب بين الاستنزاف والتصعيد” في غزة ولبنان وإيران، خاصة مع اقتراب انتخابات إسرائيلية مصيرية .
الهدف المعلن: إجبار قادة حماس على مغادرة قطاع غزة، وحزب الله على نزع سلاحه، وإيران على قبول اتفاق نووي مجحف. لكن الخطر أن هذه الاستراتيجية قد تُشعل فتيل حروب كبرى من جديد، خاصة إذا أدت إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله في لبنان أو مع إيران .
نتنياهو، الذي يسعى لتحقيق “نصر عسكري حاسم” لضمان ولاية ثانية في انتخابات متقاربة النتائج، قد يجد نفسه مضطراً لتصعيد كبير لا يمكن السيطرة على عواقبه. هذه التصعيدات قد تؤدي أيضاً إلى استئناف هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، مما يعيد فتح جبهة بحرية كانت هادئة نسبياً في الأشهر الماضية .
سلاح المياه: التهديد الصامت
قائمة أوراسيا العاشرة للمخاطر تتحدث عن “سلاح المياه” كخطر متزايد . فالنزاعات والتوترات العالمية حول الموارد المائية المشتركة أصبحت أكثر حدة. مع تغير المناخ وندرة المياه في مناطق كثيرة من العالم، تتحول الأنهار والبحيرات المشتركة بين الدول إلى مصادر توتر دائم.
من حوض النيل إلى دجلة والفرات، ومن نهر السند إلى نهر الميكونغ، تتزايد المخاوف من أن تصبح الحروب القادمة حروباً على المياه لا على النفط.
ما تقدمه تقارير المخاطر العالمية لعام 2026 هو صورة لعالم يمر بمرحلة انتقالية خطيرة. التحالفات القديمة تتصدع، والصراعات الجديدة تظهر، والتكنولوجيا التي كانت تأمل في توحيد البشرية تتحول إلى أداة لتفتيتها. في هذا العالم المضطرب، يبقى السؤال الأصعب: كيف تبني الدول استراتيجياتها في بيئة يسودها عدم اليقين؟

Leave a Reply