البنية الدستورية والتحولات السياسية الداخلية في أفق انتخابات 2026 بالمغرب
تشكل انتخابات 2026 في المغرب محطة محورية في مسار التحول السياسي الذي انطلق منذ إقرار دستور 2011. فبعد عقد ونصف من الزمن، يتجدد النقاش حول مدى قدرة النظام السياسي المغربي على التوفيق بين ثنائية الإصلاح الدستوري والاستمرارية المؤسساتية، وبين مطلب التغيير الشعبي ومتطلبات الاستقرار التي يضمنها القصر.
منذ التعديلات الدستورية التي جاءت في سياق الربيع العربي، برزت المملكة المغربية كحالة خاصة داخل المنطقة العربية والمغاربية، حيث وُضعت صلاحيات رئيس الحكومة والبرلمان في إطار متقدم نسبيًا، دون المساس بجوهر السلطة التي يختزلها الفصل 42 في شخص الملك باعتباره “رئيس الدولة وممثلها الأسمى وضامن استقلالها ووحدتها”. هذه الصيغة تجعل من أي انتخابات مقبلة، بما في ذلك انتخابات 2026، عملية سياسية ذات سقف محدد، لكن ذات أثر مباشر على إدارة الشأن العام وصياغة السياسات العمومية.
جدلية التحالفات الحزبية
أظهرت التجارب السابقة (2011، 2016، 2021) أن الخريطة الحزبية المغربية شديدة التفتت، وهو ما يفرض تحالفات واسعة غالبًا ما تُبنى على التقارب البراغماتي أكثر من الالتقاء الإيديولوجي. التحالف الثلاثي الحاكم (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال) يشكل اليوم مركز الثقل في الحكومة، لكنه يواجه عدة تحديات: تراجع الثقة الشعبية بسبب أزمة الأسعار، الخلافات الداخلية بشأن تدبير بعض الملفات الاقتصادية، وضغوط المعارضة التي تسعى إلى استثمار هذا التآكل الانتخابي.
في هذا السياق، تشير تقارير صادرة عن مراكز بحث مغربية مثل “مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد” إلى أن سيناريوهات 2026 قد تشهد إما استمرار التحالف الثلاثي مع تعديل داخلي يفرضه التوازن الانتخابي، أو بروز تحالف جديد يقوده حزب معارض في حال تراجعت القوة الانتخابية للحكومة الحالية.
دور القصر كضامن للتوازن
لا يمكن قراءة أي انتخابات مغربية دون استحضار دور القصر باعتباره الفاعل المركزي في إدارة الانتقالات السياسية. تاريخيًا، كان القصر يتدخل عبر آليات “التحكيم الملكي” لإعادة التوازن حين تنشب أزمات سياسية كبرى، كما حدث بعد أزمة “البلوكاج الحكومي” سنة 2017 حين تم استبدال عبد الإله بنكيران بسعد الدين العثماني من حزب العدالة والتنمية، بعد أن تصدر الحزب الانتخابات. هذه القدرة على التدخل تجعل من أي سيناريو سياسي مستقبلي محكومًا بإرادة مزدوجة: إرادة صناديق الاقتراع من جهة، وإرادة القصر في الحفاظ على الاستقرار من جهة أخرى.
البنية الدستورية والتأويل السياسي
يشير العديد من الباحثين، مثل محمد الأشهب في مقالاته بجريدة “الاتحاد الاشتراكي”، إلى أن التأويل السياسي للدستور يظل المحدد الأساس في توازن السلطات. فبينما يمنح النص الدستوري لرئيس الحكومة صلاحيات واسعة في تعيين المسؤولين ووضع السياسات العمومية، فإن ممارسة هذه الصلاحيات تبقى مقيدة بعاملين: الأول هو ميزان القوى داخل التحالف الحكومي، والثاني هو سقف التوافق مع القصر الذي يملك سلطات سيادية لا يمكن تجاوزها.
الرهانات الدستورية لسنة 2026
مع اقتراب الانتخابات، يرتفع النقاش مجددًا حول مدى نجاعة القوانين التنظيمية التي تؤطر العمل الحزبي والانتخابي، وخاصة فيما يتعلق بنمط الاقتراع وتمويل الأحزاب. بعض التقارير، مثل دراسات “أفروباروميتر”، تكشف عن ضعف ثقة المواطن المغربي في الأحزاب والمؤسسات التمثيلية، ما يطرح سؤال المشاركة الشعبية في الانتخابات المقبلة. هل ستكون نسبة المشاركة قريبة من 50% كما في 2021، أم ستعرف تراجعًا بفعل الإحباط الاقتصادي والاجتماعي؟
مقارنة تاريخية وإقليمية
من الناحية المقارنة، يُظهر مسار المغرب تفردًا عن جيرانه في شمال إفريقيا. ففي حين شهدت الجزائر وتونس تحولات صاخبة وأزمات سياسية متكررة، حافظ المغرب على استقرار دستوري نسبي، لكنه دفع ثمنًا يتمثل في بطء الإصلاحات الهيكلية. هنا يبرز النقاش بين الباحثين: هل يفضل المغرب السير في مسار تدريجي بطيء لكنه مستقر، أم أن ضغط الشارع والأزمات الاقتصادية سيدفع نحو تسريع وتيرة التغيير في 2026؟
إن قراءة سيناريوهات الحكومة المقبلة في المغرب 2026 لا تنفصل عن فهم البنية الدستورية والسياسية التي تؤطرها. فالانتخابات ليست مجرد تنافس حزبي، بل جزء من معادلة أكبر تجمع بين إرادة الناخبين، دور القصر، دينامية الأحزاب، ومحددات الاقتصاد والمجتمع. كل هذه العناصر تجعل من 2026 محطة اختبار جديدة لمدى قدرة التجربة المغربية على الجمع بين التعددية الحزبية والاستقرار المؤسسي في آن واحد.
(يُتبع)

Leave a Reply