حوارات ثعلب السيمياء مع أمبرطو إيكو (3/10)

حوارات ثعلب السيمياء مع أمبرطو إيكو (3/10)

الحلقة الثالثة: اللغة والواقع

اشتراط اللقاء في نفس المكان هو مناسبة مرتبطة بالشرط، والمناسبات شرط، ومن شروطها تلبية حاجيات وظروف ومواضيع اللقاء، فالمكتبة العظيمة التي تأوي إليها الأفكار، وتحتضن نفائس فريدة من صنوف الوثائق، ومحاطة بهالة الضوء الذي ينساب من تخوم النوافذ الزجاجية، ولا يعدو اللقاء هذه المرة سوى النفاذ إلى كنه اللغة كنفاذ الضوء في أكناف المكتبة.

ثعلب السيمياء (كعادته وباحترام): سيد إيكو، كنت في الحقيقة دوما ممن تستهويهم إثارة موضوع علاقة اللغة بالواقع، وهل اللغة تعكس واقعنا دوما بشكل دقيق؟ ربما هو سؤال مكرر لكني الجواب دوما يضطرب في ذهني ولا أجد جوابا شافيا فيه؟

أمبرطو إيكو: هذا سؤال صعب ولكنه مثير دوما لاهتمام الباحثين. اللغة هي أداة لوصف الواقع، لكنها ليست الواقع نفسه إذا شئنا التدقيق. اللغة بوجه عام يمكن أن تكون غير دقيقة في المحصلة، ويمكن أن تختلف من ثقافة إلى أخرى.

ثعلب السيمياء (بدهشة متسائلة): لكن ماذا عن الحقائق العلمية؟ هل يمكن أن نقول إنها تعكس الواقع بشكل أدق؟

أمبرطو إيكو: كذلك الشأن، الحقائق العلمية، الحقائق العلمية هي محاولة لوصف الواقع أيضا، لكنها ليست الواقع، حتى لو وصفناها بالحقائق، تعطيك جانبا أو بعض جوانب الحقيقة لكن ليس كلها، لأن العلم يتطور أيضا باستمرار ويمكن أن تتغير الحقائق العلمية مع تقدم البحث عبر السنوات.

ثعلب السيمياء: هذا معناه أن اللغة والواقع مترابطان بشكل معقد، علاقة أشبه بالحبل السري بين الأم وابنها، هل يمكننا بالتالي اعتبار إن اللغة تشكل الواقع؟

أمبرطو إيكو: اللغة تشكل فهمنا للواقع وهذا أمر آخر، لكنها لا تشكل الواقع نفسه، الواقع والوقائع موجودة بشكل مستقل عن اللغة، واللغة هنا هي مجرد وصف، اللغة “واصفة” أي إنها أداة وصف وتفسير، وهذا أمر مختلف.

ثعلب السيمياء (متسائلا): هذا يعني أن اللغة لها دور كبير في تشكل فهمنا للواقع، فهل إذن يجوز القول بأنها هذه العلاقة هي علاقة سيطرة، هل يمكننا القول إن اللغة أداة ووسيلة للسيطرة على الواقع؟

أمبرطو إيكو (مجيبا إجابة باردة): هذا يحيلنا على مسألة أن اللغة يمكن أن تكون أداة للسيطرة على الواقع، لكنها بلا شك، ليست الأداة الوحيدة. هناك عديد العوامل الأخرى التي تشكل فهمنا للواقع وتؤثر بشكل أو بآخر على تصورنا له.

ثعلب السيمياء (مثيرا تساؤلات جديدة): هذا معناه أن هذه العلاقة بين الواقع واللغة أمر معقد ومتعدد الأشكال والأوجه. (الثعلب بدا غير مستسلم في الأسئلة) … هل يمكننا في النهاية أن نعتبر اللغة هي وسيلة تواصل فقط؟

أمبرطو إيكو (مقتنعا بأن الحوار يدور في حلقة مفرغة): اللغة أجل أداة للتواصل، لكنها أكثر من ذلك اللغة أداة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، هي وعاء يصب فيه كل شيء لكنه ليس كل شيء، هي أداة لتشكيل فهمنا للواقع، لكنها ليست كل الواقع.

بدا المحاوران قد فتحا جبهات عديدة لأسئلة قادمة، وآفاق أوسع للتفكير في هذه العلاقة الجدلية، متطلعين لحوار جديد، في موضوع جديد بين رفوف الأسفار….

(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.