الحلقة الأولى : في بهو المعنى
المكان : عبارة عن قاعة مكتبة عتيقة ضخمة عامرة ومزدانة بصنوف الكتب، ذات طوابق بالغة الارتفاع، خشبية عالية، ومصابيح زيتية هنا، ومصابيح كهربائية هناك، حسب الحاجة، أضفت على المكان مع هيبة الورق المعتق، جوا ملائكيا يبعث على الهيبة والوقار.
أمبرطو إيكو، بهيئته وهيبته المعتادة، ونظارات المثقف والمحقق في الوثائق والرقائق.
ثعلب السيمياء بادئا : أهلا وسهلا سيد إيكو.
أمبرطو إيكو بتحية خفيفة من رأسه: أهلا وسهلا.
ثعلب السيمياء : أخبرني سيدي الفاضل، وبما أنك صائل جائل في الاستنباط، وتأويلات المعنى والكلام والمرام، هل نحن من يكتب المعنى في النص؟ أم أن النص هو من يكتبنا في كل قراءة ؟ هل المعنى يحيى بنا عندما نكتبه، أم أننا نموت بكتابة المعنى ؟
إيكو مجيبا : يا صديقي ثعلب السيمياء، النص هو كالمخطوطة القديمة، ليس فيها أسرار ولكن وفقط لمن يمتلك مفاتيح المعنى، لأن النص مخادع مراوغ مخاتل أحيانا، لأنه بكل بساطة، أن المعنى ليس ما أقصده أنا بالذات، بل ما يستطيع القارىء خلقه واستشفافه، من خلال بنيته الفكرية وخلفيات ثقافته وملكاته الذهنية.
ثعلب السيمياء: وهل معنى ذلك أن المؤلف يموت كما يقول المفكر الفرنسي “رولان بارت”؟
إيكو متنهدا في الإجابة: المؤلف لا يموت إطلاقا، لكنه يتوارى… يصبح “قارئا ممتازا” لنصه إذا أردنا ذلك، مثله مثل غيره، لا أقل ولا أكثر. لأنني من مثلا حين أكتب، أعلم يقينا أن القارىء سيعيد كتابة نصي في ذهنه مرة أخرى، إنها كتابة جديدة، بها يحيى النص في جهة ثانية.
ثعلب السيمياء : هل هي إذن لعبة المعاني، أم لعبة سلطة النص ؟
إيكو (متحسبا) قبل أن يجيب : إن من يمتلك القدرة على التأويل، له قوة كبرى. والكتابة شكل من أشكال السلطة، لكنها سلطة غير مضمونة، لأنها مشروطة بما سيقوم به الآخر.
يرد ثعلب السيمياء بمكر بالغ : إذن فالنص متاهة وغَيابات، لاختبار واستنطاق الذكاء ؟ هل من الممكن القول بأن من يقرأ نصا لا يتيه فيه أبدا، فهو لم يقرأه بعد حقا ؟ …
أمبرطو إيكو: أي نعم، يا ثعلب السيمياء، النص المتاهة هو اختبار حقيقي للذكاء لا ريب في ذلك. القراءة الحقيقية هي التي تتيح للقارىء أن يتيه في مفازة المعنى، ثم يهتدي سبيله من جديد.
ثعلب السيمياء: وهكذا نكون وصلنا نهاية هذا اللقاء الأولي… سنمضي معك أستاذ إيكو في الإبحار في عباب المعاني واسكتشاف مستمر لمتاهاتك الفكرية…
إيكو مرحبا بابتسامة هادئة : على الرحب والسعة يا ثعلب السيمياء… أراك قريبا.
(يتبع)

Leave a Reply