حوارات أمبرطو إيكو مع ثعلب السيمياء (8/10)

حوارات أمبرطو إيكو مع ثعلب السيمياء (8/10)

الكتب التي لم تقرأ بعد

في صمت المكتبة العميق، حيث يرقد التاريخ بين الأغلفة الجلدية، ظهر الثعلب من بين رفوف الكتب العالية. نظرة واحدة من عينيه الذكيتين كانت كفيلة بإثارة أسئلة لم تُسأل بعد.

قال الثعلب بصوته الذي يجمع بين الحكمة والدهاء: “ألا تشعر بالخيانة وأنت تجلس بين هذه الكتب التي لم تفتحها بعد؟ أليست هذه خيانة للمعرفة؟”

أدار إيكو رأسه ببطء، نظراته تسبق كلماته: “بل هي أصدق علاقة بين القارئ والكتاب. هذه الكتب التي لم أقرأها بعد هي تذكير دائم بحدود معرفتي، وبلا نهائية العالم.”

اقترب الثعلب من رف الكتب، مرر ذيله على الأغلفة المغبرة قائلًا: “ولكن أليس في هذا هروب من المواجهة؟ خوف  أو وجل من اكتشاف أن بعض الأسرار لا تريد أن تُكشف؟”

ابتسم إيكو ابتسامة العارف : “الكتب التي لم نقرأها هي ليست بياضًا في عالم المعرفة، بل مساحة للاحتمال التي نتركها للعقل، إنها مساحة الحلم. كل كتاب مغلق هو عالم موازٍ بانتظار الاستكشاف، وحقيقة متخيلة تنتظر لحظة العثور على مفتاحها.”

صمت قليلاً ثم أضاف : “أتعلم أن أعظم مكتبات العالم تحتوي على كتب لن يقرأها أحد أبداً؟ ومع ذلك، وجودها هناك يعطي للمعنى معنىً آخر.”

احتل الثعلب مكانه على الطاولة بخفة مميزة، ثم أدار رأسه بفضول: “أتعني بهذا أن القيمة الحقيقية تكمن في ذلك الحيز السحري بين الأغلفة المغلقة، لا في السطور المكشوفة؟”

“بالضبط” أجاب إيكو. “كما أن النجوم البعيدة التي تضيء لا نستطيع لمسها، كذلك الكتب التي لم نقرأها تنير عقلنا بمجرد وجودها. إنها تذكرنا أن المعرفة بحر لا ساحل له.”

انتهى الحوار بينهما حول المخطوطات الضائعة التي تنتظر من يكتشفها، والأسرار التي ستظل محفوظة بين السطور إلى نهاية الدهر. ثمَّ اختفى الثعلب كما ظهر فجأة، تاركًا إيكو وحيدًا في محراب كتبه… وهو يدرك في أعماقه أن الكتب الأكثر روعة هي تلك التي لن تُقرأ أبدًا، لأنها تمنحنا أعظم هدية: قدرة الروح على التحليق في عوالم لم تُعرف بعد.

(يُتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.