وريث لا يورث.. ولادة استثنائية في زمن الاستثناء
في زمن خلخلت فيه السيولة الرقمية “كولونيل ساندرز” (وجبة كنتاكي) حدود الإبداع والملكية الفكرية، وفي مجتمعات تتدافع فيها إبداعات الذكاء الاصطناعي على جوائز التصوير الفوتوغرافي، يخرج إلينا الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن بكتابه الوجودي – الفلسفي الجديد “الفيلسوف ابن ساعته” (منشورات مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، 2025، 348 صفحة) ليكتب فلسفته الأخيرة. إنه ليس فيلسوفا وفق تعريفات الفلسفة، بل هو رجل المواقف وإنسان اللحظات، “وريث لا يورث”، وحيدٌ في طريقه بين الرمال المتحركة للعصر، ينحت حروف الكلمات بأناة السالكين الصوفيين ليصنع معجزة إنسانية حقيقية وحدثاً ميتافيزيقياً، فما هي حقيقة هذا الكتاب؟ ولماذا هو مهم في زمن بلا بوصلات؟
ما الجديد الذي يقدمه “الفيلسوف ابن ساعته”؟
“الفيلسوف ابن ساعته” ليس كتاباً نظرياً أكاديمياً فحسب، بل هو “بيان فلسفي وشهادة فكرية حية” في أكثر من 350 صفحة, موزعة على تمهيد وخمسة عشر فصلاً, تجمع خلاصة مسيرة طه عبد الرحمن التي امتدت لعقود. يطرح سؤالاً وجودياً ملحاً: كيف يمكن للفلسفة أن تبقى وفية لجوهرها في عالم يتسارع فيه تفكك القيم وانحسار الحقيقة؟
ما يميز هذا الكتاب فعلاً أنه يعيد تعريف الفلسفة بوصفها “رباطاً” في وجه التحديات، وليس مجرد تأملات نظرية باردة. إنه ينتقل بالإنسان من حالة الاندهاش أمام ثغور العصر إلى “مرابطة” فعلية فيها، فعند طه عبد الرحمن، الفلسفة وليدة لحظات الأزمات لا غرف الدراسة المغلقة. أما الثغور فهي الميادين الحقيقية التي تختبر فيها الأفكار في مواجهة الخطر الحقيقي الذي يتهدد الإنسان المعاصر.
الفلسفة الائتمانية: التجربة ليست كالمعرفة
يقدم طه عبد الرحمن في ثنايا الكتاب ملمحاً جوهرياً يعرف بـ”الفلسفة الائتمانية”، حيث يتجاوز حدود الفلسفة التقليدية التي تنظر إلى المعرفة على أنها مجرد ديكور ذهني. في هذا المشروع الفكري، يصبح الفكر عملاً مزدوجاً: فهو يحمل بعداً نظرياً واضحاً، لكنه في الوقت نفسه “يعمل” على تحويل صاحبه وقارئه. من هنا، ينحو المنحى الفلسفي إلى “المساءلة الذاتية” والسيرة الفكرية أكثر منه إلى تحليل النصوص والمقولات المجردة.
لطالما لاحقته تهم متعددة: إنه “فيلسوف الأخلاق” أو “فقيه الفلسفة”، بل أُتهم في بعض الأوساط بأنه يحول الأخلاق إلى مجرد مذهب سياسي. لكن طه عبد الرحمن يخرج من كل هذه التصنيفات بثقة واثقة: إنه “الفيلسوف” وحده، دون تعقيدات أو ترهات.
الساعة والنبض: فلسفة الزمن الأخلاقي
يتميز الكتاب بتمييزه بين “ابن عصره” و”ابن ساعته”، فالفرق جوهري. العصر إطار عريض تلتقط منه التفاصيل، والساعة بالنسبة لطه عبد الرحمن ليست وحدة زمنية ثابتة، بل “لحظة أخلاقية” بامتياز. الساعة التي نحملها في أيدينا آلة صماء، لكن الساعة الموجودة في الضمير الإنساني هي صلة الوصل بين الإنسان ومسؤوليته الأخلاقية والوجودية تجاه الآخرين والعالم.
بهذا، يحررنا طه من قيود التاريخ الذي يجعلنا أسرى لماضينا، ويرفعنا إلى مستوى حرية الأخلاق حيث يظل كل منا مسؤولاً عن موقفه الخاص تجاه الخير والشر. الإنسان ابن ساعته يقرر وليس ابن عصره الذي يرضخ له.
ثغور العصر الخمسة: خريطة طريق المرابطة
لكن ما هي هذه “الثغور” التي يدعونا طه عبد الرحمن للمرابطة فيها؟ يحدد طه عبد الرحمن خمسة ثغور أساسية تشكل البنية المعرفية والفلسفية لكتابه، وهي ثغور العصر الأكثر احتراقاً التي عاشها الفيلسوف على امتداد مسيرته:
ثغر العقل: انطلق من لحظة هزيمة 1967؛ حيث لم يسأل العرب عن أسباب هزيمتهم العسكرية فقط، بل عن هزيمة العقل العربي الذي قادهم إلى هذه الحالة من الجمود والتراجع. هذه المرابطة العقلية هي محاولة للخروج من تيه التقليد إلى فضاء الإبداع.
ثغر التراث: ليس دفاعاً عقائدياً عن القديم، بل إنتاجاً معرفياً يقاوم التفكك الحضاري بإعادة بناء منجزات الماضي في قالب معاصر يواكب متطلبات الحاضر.
ثغر الحداثة: نقدها ليس رفضاً مطلقاً، بل تصحيح لاختلالاتها. الحداثة عندما تفقد روحها الروحية وتتحول إلى جسد مادي بارد، تصبح خطراً على الإنسانية بدل أن تكون طاقة تقدم.
ثغر الأخلاق: في عالم يعاني من “داء الفصل” الذي مزق العلاقة بين الدين والسياسة والفن والعلم، يعيد طه ربط هذه العناصر في نسق أخلاقي موحد.
ثغر الشر المطلق: هنا يصل طه إلى الأزمة الفعلية. وفق مفهومه الفلسفي، الشر المطلق ليس مجرد عمل عدواني عابر، بل هو ظاهرة متجذرة تهدف إلى محو الفطرة الإنسانية نفسها، وتعطيل المواثيق بين الإنسان وربه وبين الإنسان وأخيه الإنسان. أما المرابطة فهي ليست تبريراً لموقف سياسي، بل دفاعاً عن الوجود.
الشر المطلق في غزة.. والفلسفة في خندقها الأخير
يشير طه عبد الرحمن في كتابه إلى نموذجين صريحين لـ”الشر المطلق” في عصرنا: الإبادة الإسرائيلية في غزة، وما بعدها من سياسات التجويع والتدمير المنهجي. ففي تصوره، الشر المطلق ليس مجرد انتهاكات عابرة، بل هو شر يتجاوز الجريمة العادية إلى محاولة لتدمير الإنسانية جمعاء في ضميرها وأخلاقها.
إنه يتحدى فيلسوف السياسة الأشهر هانا أرندت التي حللت “تفاهة الشر” من خلال شخصية أيخمان. بينما طه يتحدث عن شر ضخم متجذر، له جذور تاريخية وإبستمولوجية عميقة. الفيلسوف مطالب أن يكون مرابطاً في هذا الثغر تحديداً، لا كمتفرج، ولا حتى كضحية، بل كحارس لما تبقى من المعنى.
منعطف حاسم في الثقافة العربية
في الواقع، يصدر هذا الكتاب في وقت تتداعى فيه المعرفة إلى مجرد سيل من الأنباط العابرة، وفي زمن سادت فيه “مرض الاقتباس” وعبادة النقل الحرفي وتقليد الغرب. عبر “الفيلسوف ابن ساعته”، نحن أمام موقف فلسفي نادر في الثقافة العربية المعاصرة:فيلسوف ما زال يعيش في قلبه نبض الإنسانية، في زمن أعلن فيه الكثيرون موت الإنسان.
لا تعتمد هذه الفلسفة على صياغة مفاهيم “جديدة وجافة”، بل هي حوارية ممتدة مع قضايا العصر والواقع، تحاور الناس العاديين بقدر ما تحاور النخبة والنقاد. إنها قراءة أخلاقية للتاريخ والسياسة تجعل الفيلسوف مؤثراً وفاعلاً حتى وهو يتأمل من على مقربة من الجرح.
زمن المرابطة لا زمن البرج العاجي
“الفيلسوف ابن ساعته” ليس مجرد فصل جديد في مسيرة طه عبد الرحمن، بل هو شهادة أن الفلسفة الحقيقية لا تموت في زمن المادة والتفاهة. في هذا الكتاب، تكتشف أن الفلسفة ليست ما تقرأه في الكتب، بل هي “موقف” يسبق المعرفة النظرية. إنها حياة تعاش لا أفكار تدرس.
طه يحدد المعركة الحقيقية بين فكرين: فكر يقرأ التاريخ من بعيد، وآخر يخوض غماره صانعاً أخلاقه في لحظة الخطر ذاتها. ربما، في عالم تسوده المظاهر والكذب السياسي والإعلامي، نحن بحاجة ماسة إلى فيلسوف مثل طه عبد الرحمن لا ليشرح لنا الواقع، بل ليعيد لنا المعنى والأمل. أليس هذا هو بالضبط ما نحتاجه في عصرنا المضطرب؟ فلسفة تعيد للإنسان كرامته وتبعث فيه روح التحدي. “الفيلسوف ابن ساعته” ليس مجرد وصف، بل هو تكليف وأمانة ثقيلة: أمانة المرابطة في ثغور العصر.
المصادر والمراجع
-
إسلام أون لاين: “إصدار جديد: ‘الفيلسوف ابن ساعته’ للدكتور طه عبد الرحمن”، 14 أكتوبر 2025. URL: https://islamanar.com/the-philosopher-son-of-his-hour/
-
هسبريس: “طه عبد الرحمن: الفيلسوف ابن ساعته”، 18 سبتمبر 2025. URL: https://www.hespress.com/طه-عبد-الرحمن-الفيلسوف-ابن-ساعته-1625437.html
-
العربي الجديد: “طه عبد الرحمن.. امتحان الإرادة الأخلاقية من وجهة نظر الفيلسوف”، 31 أكتوبر 2025. URL: https://www.alaraby.co.uk/culture/طه-عبد-الرحمن-امتحان-الإرادة-الأخلاقية-من-وجهة-نظر-الفيلسوف
-
هسبريس: “الفيلسوف ابن ساعته”، 5 ديسمبر 2025. URL: https://www.hespress.com/الفيلسوف-ابن-ساعته-1666581.html
-
موقع فجر: “الدكتور طه عبد الرحمان.. فيلسوف الأخلاق أو فقيه الفلسفة”، 14 ديسمبر 2025. URL: https://fajr.ma/2025/12/14/الدكتور-طه-عبد-الرحمان-فيلسوف-الأخلاق/
-
جزيرة مباشر: “تفاكر.. طه عبد الرحمن وأمانة الفيلسوف”، 17 نوفمبر 2025. URL: https://www.aljazeeramubasher.net/news/2025/11/17/تفاكر-طه-عبد-الرحمن-وأمانة-الفيلسوف

Leave a Reply