الاعترافات الأخيرة بفلسطين، ماذا بعد؟

موت هنية

الإعلان المتزامن لعدد من الدول الغربية وذات ثقل دبلوماسي عن الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين يمثل نقطة فاصلة في المسار الدولي للقضية الفلسطينية، لكنه أيضاً بداية فصل جديد من التعقيدات والتساؤلات حول ما يعنيه هذا الاعتراف عمليًّا على الأرض. في أواخر سبتمبر 2025 أعلنت المملكة المتحدة وكندا وأستراليا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا والبرتغال (إلى جانب دول أخرى) خطوات رسمية للاعتراف بفلسطين، في سياق ردّ فعل دولي على أزمة إنسانية متصاعدة في قطاع غزة ورغبة بالمحافظة على أفق حل الدولتين كدواء سياسي للعنق التاريخي في الإقليم. هذا التحول في مواقف عواصم كانت لوقت طويل حذرة أو مترددة يعكس ضغطًا شعبيًا ودبلوماسيًا متزايداً على الحكومات لإعادة ضبط سياساتها تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه يضع هذه الاعترافات تحت اختبار المضمون: هل هي رمزية أم تمهيد لآليات عملية تدعم سيادة دولة فلسطينية فعلية؟

من الناحية العملية، عدد الدول التي تعترف بفلسطين كان كبيرًا منذ عقود — مئات الدول لاحقت الاعتراف منذ منتصف القرن العشرين — لكن القيمة العملية للاعتراف مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على تحويله إلى عضوية كاملة في مؤسسات دولية، وإلى ضمانات قانونية وإجرائية تطبّق على الأرض. هنا تتبدّى الحدود الأساسية: الفلسطينيون لا يمارسون سيادة كاملة على أراضيهم. سيادة اسمية أو اعتراف رمزي في الأمم أو على مستوى الدول لا يلغيان حقيقة السيطرة الإسرائيلية الإجرائية على الحدود والأمن والطيران، وهي عناصر حاسمة لقيام دولة ذات سيادة. لذا سيبقى التحدي في الانتقال من اعتراف دبلوماسي إلى مؤسسات وتقانات حيّة تمكّن فلسطين من إدارة حدودها، اقتصادها، وقضائها.

ردّة الفعل الإسرائيلية كانت متوقعة وقاسية: إدانات سياسية وتهديدات دبلوماسية، واستدعاء سفراء، بل تصعيد في الخطاب الرسمي الذي يرى في الاعترفات إضعافًا لموقف التفاوض أو تغييرًا أحاديًا لركائز الحل. هذه الرحلة ستفرض أسئلة جديدة على المعايير الغربية التقليدية: هل الاعتراف وسيلة للضغط على إسرائيل لوقف العمليات والتوسّعات الاستيطانية أم أداة لاستباق مفاوضات مستقبلية تُفرض فيها شروط دولية أقوى؟ الجواب سيختلف بحسب كل عاصمة، لكن السيناريو الأكثر احتمالا هو مسار هجين: اعترافات جديدة ترافقها آليات ضغط دبلوماسي ومساعدة إنسانية موجهة، بينما تستمر المفاوضات السياسية في ظل تناقضات جوهرية حول الحدود والقدس واللاجئين.

المآلات العملية تتدرّج بين احتمالين كبيرين: إما أن يتحوّل الاعتراف إلى قاعدة لجهد دولي منسّق يعيد تشكيل مفاوضات مدعومة بآليات ملزمة (أمر يتطلب تضافرًا استثنائيًا في الأمم والاتحاد الأوروبي والجهات الراعية)؛ وإما أن يبقى الاعترافُ إطارًا رمزيًا يستغلّ سياسياً داخليًا في كل دولة دون أن يغيّر في الواقع اليومي للفلسطينيين. بين هذين المسارين هناك مساحة للعمل المدني والحقوقي لإخراج هذا الاعتراف من خانة الخطابات إلى خانة البناء المؤسساتي: دعم محاكمية حقوقية، برامج إعادة إعمار مدنية تحترم التنوع، وضوابط تمنع تغييرات ديموغرافية قسرية. بالنتيجة، الاعترافات الأخيرة تُعيد القضية الفلسطينية إلى قلب النظام الدولي، لكنها لا تضمن تحقيق دولة على الأرض؛ فهي تفتح نافذة تاريخية تتطلّب حلمًا سياسياً متبوعًا بخطة تنفيذية ملموسة كي تتحقق.

Leave a Reply

Your email address will not be published.