افتتاحية الثعلب (4)

افتتاحية الثعلب الأحمر

توفي قبل شهور الثعلب الماكر في السياسة “هنري كيسنجر”، هذا هو ما يحق أن نطلق عليه حقا “مربي الأرانب، صديق الثعالب” ! كما أخبرتكم صرت أفهم جل كلام البشر، فهل ذلك ممكن ؟ ممكن جدا، بل واقعي جدا، فهل من المنطقي ألا نفهم سلوك من تجمعنا بهم هذه البسيطة؟ لا غرو أنه مع تأقلمنا في كل الأحوال في بقاع الأرض، بين تربص للصيد، أو حماية لنا من أعدائنا الطبيعيين، أو التعامل بدهاء تحت جميع الظروف والضغوط، أليس ذلك كله شبيها بالسياسة والكياسة؟

حتى نبقى مع كيسنجر الثعلب الذي أسس أكبر مدرسة للتفاوض السياسي في العالم والتي لا زالت تدرس إلى اليوم، ولعل بني البشر يعرفون تماما أن التشبه بالثعلب في السياسة ما هو إلا دليل قاطع على حجم المكر والخبث فيها، أنت فيها إما ثعلب وإما فريسة، عليك أن تختار، بالرغم أحيانا أنه يُختار لك من حيث تدري أو لا تدري.

موت كيسنجر في الشهور القليلة الماضية، أعقبه تعليق عالمي على تاريخ الرجل الذي لعبه في السياسة الخارجية الأمريكية وهو يجول دول العالم، فارضا سيطرة بلاده بقدرته على نزع التنازلات وفرض المعادلات ومحاولات إرضاء وعدم إرضاء أطراف دون غيرها… للأسف هذه هي سياسة الثعالب، وأحيانا كثيرة أجد بني البشر أكثر ثعلبية منا نحن معشر الثعالب!

حينما كان كيسنجر في أواخر أيامه، ولأني مطلع خبيث على عوالم البشر، فقد صرت أفهم كلامهم من حيث يدرون ولا يدرون، ثم ألا تعتقد عزيزي القارىء أنك حين تفهم عالم الحيوان أو تحاول فهمه أليس حريا بك التساؤل بأن الحيوان أيضا يستطيع فهم عالمك بدوره؟ لا يأخذنك شكا في ذلك وإن اعتقدتم معشر البشر غير ذلك فحقيق بكم مراجعة أنفسكم. ما علينا !!

كما أسلفت كيسنجر الثعلب زار الصين الشعبية في أواخر أيامه واحترامه من قبل إمبراطورية التنين شيء بدا للعيان من خلال الاستقبال الرئاسي وكأن الشخص رئيس دولة عظيمة، ثم أو ليس من كان بالأمس القريب يدوخ الدنيا بدبلوماسيته الماكرة جديرا بقدر الاحترام على الأقل ممن يحترمون رجالات السيطرة والذين ينالون الإعجاب بقدر منقطع النظير وممن يعدون مرجعا في العالم، ثم أليس التنين أحيانا قد يستفيد من خبرة الثعلب؟ أعلم أن التنين كائن خرافي، لكن قوة الصين الشعبية ليست خرافة على الإطلاق، كما أن الأسد في قصص الحيوان يستفيد دوما من مكر الثعالب وقد يقع في فخها!

ترى هل الصين الشعبية بقدرها اليوم تريد الاستفادة من كل ما من شأنه تقوية عضدها في حربها الشعواء ضد الأمريكان؟ هل الاستعانة بأمريكي في سنوات تقاعده هو أمر يمكن أن يمر دون ملاحظة من دهاقنة السياسة الخارجية ؟

لا أنسى قولة على لسان الرجل أنه كان محبا للفلسفة وكان يقرأ لرجالاتها الكبار، بالرغم من فعله ذلك على مضض، لكنه كان يفعل كما جاء على لسانه كي “تعمل جميع خلايا دماغه دون استثناء!” !

بالتأكيد رجل مثل هذا سيكون خارقا في دهائه ومكره إذا كانت الفلسفة اليونانية القديمة تنير مناطق الظل في دماغه، وقد عبر عن ذلك بالفعل حين قال عن الحرب الروسية الأوكرانية وكيفية إنهائها بجملة واحدة : ” على أوكرانيا أن تتخلى عن جزء من أراضيها إذا أرادت إنهاء الحرب!”…

لا أعلم صوابية كلام الرجل، وحجم دقته وصحته، وقد يراه البعض ظلما للأوكران وتعديا على سيادتهم، وفوزا للروس، لكن هل كان الرجل محقا لأنه وقف في صف الروس؟ أم أنها مقولة تأجج الصراع من حيث لا يدري أحد ؟

من يدري، فالثعالب غالبا لا يأخذ بنصحها، وعليك الحذر من مكرها، فكم من نصح ظاهره نصح وباطنه شر. هذا تجسيد عملي لمقولة : “مربي الأرانب، صديق الثعالب!” .. الأمر أشبه بقبلة الموت…

أراكم لاحقا…

Leave a Reply

Your email address will not be published.