افتتاحية الثعلب (3)

الثعلب الأحمر

ما العمل بعد الخروج إلى أمداء مواجهة الحياة العنيدة ؟ الحياة.. نقيض الموت والانقراض.. أتراها فرصة لتجريب شيء جديد في كل يوم جديد ؟ أنجرب الغلطات كي نصحح المسار أم أننا نتوخى مسارات صحيحة باجتراح الأخطاء ؟ فعلا، فمنذ خروجي إلى الدنيا، لم تكن أيامي كلها رغد عيش، ولا أيام ضنك، فهي بين البين، أو بين البينين، مرات تساء، ومرات فيها رخاء..

تعود بي الأيام قليلا إلى الوراء، وأنا أطارد أرنبين، ركضت ورائهما لمدة غير يسيرة، لم أكن حينها بارعا في الصيد كما اليوم. تتبعتهما إلى أن دخل كلاهما إلى جب عميق، وأنا أتابعهما من الخارج بخيشومي، وأولج تارات مخالب قوائمي علي أظفر بهما. لن أخفي عنكم معشر القراء أنني تعبت وهدني الانتظار، بل من كثرة العي في الدخول والخروج بقوائمي وتعريض مقدمة وجهي في داخل الجحر، لم أكن أعي أن المكان قد يكون خطرا سيما أن الأفاعي والقوارص المميتة تحب هذه الأماكن أيضا، وقد تنتهي بي رحلة صيد إلى نهاية مميتة، أو إصابة بليغة!

عموما، لا أنسى أنني من طول المكابدة، ورغبة مني في تهديد الأرنبين الرابضين في القاع، نسيت أرنبة أنفي وخيشومي، حيث تحسست أن شيئا ما قد وخزني بشدة، مما جعلني أقفل راجعا ورائي، من شدة الوخزة، حيث ظننت بادئ الرأي أن الأرنبين ينافحان عن الجحر، ربما لأني قد كنت قاب قوسين أو أدنى من الظفر بهما، لكن الأمور لم تكن تسير كما اشتهت نفسي، ومثلما قدرت تقديري.. يا للهول!!

قدرت أن ابتعد قليلا، وأن أنأى بنفسي عن الجحر قليلا.. ابتعدت، سمعت شيئا يتحرك في الجب المظلمة، خشخشة أسمعها في الفراغ المدلهم، بقيت أراقب وأرقب وأترقب.. انتظرت، سمعتها ثانية، جربت الاقتراب والابتعاد بحذر ثعلبي، عاد الصوت ثانية.. ففضلت عدم المخاطرة، فقد سرت حينها قشعريرة في خريطة جسدي..

تحسبت الخطوات، هممت أن أقترب، وأن أستفز هذا الشيء الغريب، لا لا لا… ! عاد الصوت.. أحسسته شيئا يعلم بوجودي، وأنه أيضا يخشاني كما أخشاه، بقيت مثلما بقي يتقرب، نتقرب ونتقرب من كلينا، بيد أنه هو يراني ربما من حيث لا أراه، كما أنني لا أعرف ما أواجهه هذه المرة تحديدا.. أما الأرنبان المسكينان فلا حس لهما ولا أثر، أو ربما انتهيا في جوفه أو تراهما مرعوبان أكثر مني في الداخل..

هششت مرة، تلو الأخرى، نفس الحركة المدروسة، نفس الحسيس والخشيش والهشيش، أعدت الكَرّة بخبث الثعالب ومكرها المعروفين، كما قررت أن أقترب للمرة الأخيرة، لكن أكثر، وبسرعة أكبر…

هووب.. هووب!!! عاد الصوت بقوة، أثار حفيظة قلبي، وراعني ؛ ومن شدة خوفي، ونبض قلبي، ابتعدت.. ابتعدت… ثم ابتعدت… آثرت الحل الأسلم..

لم أرد المغامرة أكثر، فنحن معشر الثعالب رغم فضولنا الشديد، فإننا لا نقوى جدا على المخاطرة حينما لا ندري من نواجهه تحديدا، هل هو حيوان ضخم، أو زاحف قاتل، أو حشرة مميتة؟ هذه حكمة من حكم الحياة في فن التأقلم والتعايش مع المواقف.

كدت أزل بداية في عدم تقدير أن المكان مظلم وعميق، وأنه بقدر ما يكون صيدك فيه، فقد تكون أنت الطريدة ووليمة لإحدى الكائنات، كما أن التوفيق ليس مضمونا دوما، بل إن كل نتيجة تسرك، هي في الحقيقة، نتيجة لكل تجاربك السيئة السابقة في رحلات الصيد…

ترى هل ما كنت سأواجهه، كنت قادرا بالفعل على مواجهته؟ أم أنني تسرعت في انتظار معرفة هذا المجهول القابع في الجب…؟

يا لحظي العاثر.. ضاع مني صيد أرنبين، لكني أشكر الخالق كوني ربما نجوت من حتف محقق…

فإلى رحلة صيد منفردة موالية، فمن دروس الحياة المستخلصة، عدم الكف عن المحاولة، تحت أي ظرف، وهذه لوحدها فلسفة وجودية عندنا نحن معشر الثعالب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.