الثعلب الرقمي الذي لم يفقد جوهره!
تسائلت هذه المرة، ومن حقي حسب قانون الغاب أن أطرح السؤال تلو السؤال، لمجرد التفكير العابر في ربوع هذه الغابات المطيرة، والحقول الفسيحة، وصنوف النبيت والوحيش، أقف على عتبة السؤال، والسؤال أمكر مني وأذكى، متأملا في طبيعة هذا الوجود، هل من الممكن أن نحيا في غابة رقمية أم أننا في الأصل في غابة رقمية كثيفة بالأرقام والمعطيات والبيانات، هل من الممكن أن أصير رقميا ؟ استللت السؤال كأني أرى الشمس الرقمية تشرق وتغرب خلف جبل أو مدى غابات رقمية، ملقية بظلالها على طرقات الغابة السحرية التي تخيلتها ملقاة بظلالها وطرقاتها الإفتراضية.
تسائلت ثانية وثالثة وعشرات الأسئلة الأخرى تطرق ذهني؛ هل الواقع الافتراضي هو مرآة عاكسة للواقع الحقيقي، وهل هذه المرآة المنعكسة هي الواقع نفسه، هل يمكنني استلهام مقولة جون بودريارد الفرنسي الذي كتب ذات مرة : “هل يمكنني أن أكون موجودا في عالمين مختلفين، دون أن أفقد هويتي؟
لقد عبرت البشرية في عالم البشر عبورا عظيما إلى عوالم الإنترنت، الذي هو حسب زعمهم نهر أو بحر أو محيط – لا أدري – من المعلومات، وأحاول أن أجيب حقا على التسآل، وهل معنى ذلك أنه سيغرقني في بحر من الأسئلة دون إجابات؟ هل يمكنني أن أجد جوهرا جديدا في العالم الرقمي إذا صارت الأسئلة رقمية دون فقدان الاتصال بعالمي المادي الذي لم يبرحه أجدادي من ملايين وآلاف ومئات السنين، الذي هو براحات الغاب والدغل؟
وجدت نفسي حائرة ومتأملة في هذه العلاقة المريبة بين عالمين، العالم الرقمي والعالم المادي. “هل هما عالم ممتدان، أم متصلان أم منفصلان؟ سألت نفسي دون عثور على خيط للإجابة.
خمنت مجددا قليلا، وقلت في طوية نفسي ما يمكن أن يكون أقرب إلى تساؤلاتي المتواترة أنا المخلوق المعتاد على وجودي في الغاب والدغل؛ “الوجود الرقمي هو وجود افتراضي، ولكن هل يمكنه أن يكون أكثر واقعية من الوجود المادي، هل من الممكن أن تكون فيه الغابة الرقمية نابضة بالحياة، وهل فعلا أن تصير رقميا معناه أن تفقد جوهر كيانك؟
ظلت هذه الأسئلة العائمة الهائمة وسيلة من وسائلي سبرا للحقيقة القادمة بحذر الثعالب، فهي أشبه بمواضيع التشفير والحماية الرقمية، فأنا كما تعلمون حيوان مبالغ في الحذر، ومحتاط كثيرا في المغامرات، ويولي أهمية كبيرة للخصوصية والأمان، فما أدراني أنا بهذا التحول الذي لا أعرف كيفية التأقلم معه، فأنا متلائم في الغابات والأدغال مع حيواناتها ونباتها، بل أراني غير مستعد لتقاسم حياتي مع الأسلاك والخوادم والأرقام والبيانات، وعساني أفهم هذا العالم من التعقيدات والقواعد التي وجب أن نتبعها في هذا العالم الجديد الغريب.

Leave a Reply