افتتاحية الثعلب (25)

الخطوة الأولى على قدمين

الثعلب الذي حلم بالمشي على قدمين 5/5

الجزء الخامس والأخير: الخطوة الأولى على قدمين

كان الثعلب يقف الآن أمام ضفة أخرى، وصفاء منير يضيء كأنه الفجر الذهبي. لقد كان اختتاما لمسار الأسلاف في هذه الطريق الوعرة، انقلب عنده كل شيء وأحس في دواخل نفسه بأن تغيرا قد انقلب به من ثعلب حالم إلى ثعلب جديد. شعر أيضا بثقل الرحلة التي رماها من على كاهله كأنها جبل دق كوتد في روحه، بيد أن قوة غريبة جديدة سرت في روحه، وشعر بشكل أعمق أن رغبته كانت جامحة رغم ما اكتنفها من جنون بالحياة في شكل جديد غير شكل الثعلب القديم.

أغمض عينيه قليلا، وترك دفىء الشمس يداعب وبره، فأحسها كمعطف حانٍ ينغنغه ويداعبه بحنان آسر. تملكته رغبة بألا يفتح عينيه وينعم أطول مدة ممكنة بهذا الإحساس الفاخر والجميل، وفكر في الوقت نفسه برغبته الآكدة في المشي على قدمين، ويتمثل في شكل الثعلب القائم على غرار الإنسان القائم، لرؤية العالم كما يراه الرجال من بني البشر، وممن صادفهم من الآدميين في رحلته وهو بين دروب الغاب. استشعر أنه في صميم مراده لم يبحث فقط عن تحول جسدي فقط، بل تحول في روحه وقلبه، وهو ما استشعر وميضه يصله في تلافيف روحه، أحس فعلا بتحول عظيم مقبل عليه.

طالعت عقله هوامس من قدسية لحظية، كأنها ساعة مقدسة، أو أنها بركة الثعالب القديمة الذين رغبوا في مثل أمنيته، وركز وهو حالم هائم في ملكوت اللحظة على حلمه ومناه؛ الوقوف على قدمين بدل أربع. لم يكن يريد أن يمشي كرجل من رجالات البشر فقط، بل أراد أن يفهم ويشعر ويعيش حياتهم ويصنع مثل صنائعهم، أي نعم، تلك الحياة التي كان يتوق إليها ويشاهدها من بعيد لكن لم يخبرها قط، بل كانت تراوده فقط في عبور أحلامه البعيدة والغريبة.

شعر ببطىء شديد في طيف الزمن، وشعور غامض تقريبا، أن جسده الحيواني يتغير بشكل كافكاوي. تقوت ساقاه الخلفيتان، واتسع منكباه وكتفاه، وللمرة الأولى، استقام على قدمين هائما وهو على شعة شمس الأفق بين غابة كثيفة. فتح عينيه ورأى العالم من ثنايا مقلتيه من زاوية جديدة، تفتحت حينها عيناه مثلما تتفتح الأزهار الجديدة، وولدت روحه الجديدة مثلما تولد فراشة جميلة من شرنقة معتقة في كوامن الظلال وتحت الأوراق وبين الصخور الزلقة. بدت حينها الغابة أكبر وأكثر اتساعا وألوانا وارتفاعا، أحس أنه يطل من شرفة حياة جديدة. كانت فرحته غامرة وصامتة وهامسة مثيرة، كما لو كان يريد احتضان العالم كله البادي أمام عينيه المشعتين.

خطى الخطوة الأولى، وخطى حذوها الثانية، ثم ثالثة ثم أخرى… تثاقلت الخطوات بداية، ثم ما لبثت أن كثرت وتعددت وتسارعت.. تسارعت كلهاث لسانه، وعلى تسارع نبضات قلبه، وعلى منوال توق روحه. كانت لحظة مليئة بالعجب، أخيرا حقق الثعلب أمنيته بعد عبور جسر الضباب واستحضار حكمة الثعلب الرمادي العجوز، حقق حلمه كأنه حصل على تعويذة سحرية، حصل عليها بقوة قلبه وعقله وصفاء روحه. فقد كان دائما كائنا حرا قادرا على اختيار طريقه في مسارات الحياة العنيدة، قادرا على أن يختار سواء حين كان ثعلبا على أربع، أو حين صار ثعلبا يمشي على قدمين… لقد كانت بحق رحلة تصميم كتبها في صفحة جديدة من صفحات حياته، وسيبدأ رحلة منفردة ومغايرة بالتأكيد في القابل من أيام حياته.

(تمت)

Leave a Reply

Your email address will not be published.