عدت إليكم مجددا.. وقد استبد بي الغياب.. الغياب والحضور، يستويان مثلا في قاموس الثعالب، هل تراكم نسيتم عنوان محمد زفزاف الأشهر “الثعلب الذي يظهر ويختفي”؟.
قد أحضر في غياب الحدث (اللاحدث)، وقد أغيب غبا إبان (حدث) ما. في خضم هذه الدوكسا واليومي و”الحدثانية”، أراكم أسئلة متنوعة، من قبيل هل الغياب والحضور يستويان؟ أم أن استوائهما غير صحيح بالمطلقية؟ أم أن حضور وغياب الشخص لا يغطيان عن الحدث، أم أن الحدث في حد ذاته أهم من عنصري الحضور والغياب؟ أم أن حضور الشخص أهم من الحدث، وأن غيابه قد يضيع لحظة وأهمية الحدث؟ …
هذه أسئلة متكاثفة، لا أحمل هم جوابها، بل إبانئذ قد أحضر وقد أغيب، ولست ممن يفرض على نفسه الحضور والغياب، كأنهما فعلين ملازمين لطبيعة الشخص، أو أنهما تبعان لهواه أو أنهما مما يماز به أهمية ما قد يضيفه حضوره وغيابه!
انصرمت الأيام، وأنا كعادتي – ولأني حيوان مِجوال – صرت أحسب حسابا للظهور، كما الغياب. أحضر كي أُولِم بفرخ، أو أرنب، أو فأرة حقول، أو جرذ أو جراد أو مما سيوقف عصافير بطني، وأغيب حين أستشعر خطرا يتهددني.
راودتني هذه الأفكار كنشوة سريعة، وبعيد غيبة من سبات شتوي طويل، خرجت بعده أعانق نسائم الربيع، وأتوهج بضيا شمسه الغضة، وأطلق ساقي لهوج الريح في الحقول الشاسعة، وأتسمع من بعيد أو من قريب دنو بشري قادم، أو أرقب فريسة قد أوقعها بين مخالبي، ولست أخشى أكثر دوما سوى ممن يحيك لنا معشر الثعالب دسائس المصائد، وممن يطلق علينا أنياب كلابه الطاردة المُطاردة…
أود أن أخبركم أني صرت بعد مدة أفهم شيئا من عادات البشر، وأتفهم معاناتهم معنا إذا أغرنا على حقولهم وزرائبهم ومما يدخرون فيها..
مما راقني هي عبارة بشرية سمعتها ذات يوم من أحدهم قائلا لخله :”أنت مربي الأرانب، وصديق الثعالب…”!!!
عبارة غريبة، نحن لا نربي الأرانب بل نصطادها، ولا نصادق الثعالب، لأننا لا نعيش في مجموعات كبيرة على غرار الذئاب والضباع والأسود وغيرها، بل إن الأرانب تغيب في حضرة الثعالب، والثعالب تظهر في حضورها..
ترى هل ما كان يقصده هو شيء آخر، أم أنه كان ساذجا، أم أنني لا أعي مرام كلام البشر جيدا ؟!
نعم، هذا وارد جدا، فبعد كل بيات شتوي طويل، فإن عظامنا وأجسادنا تغدو أرق وأضعف وأوهن، وها أنا أعود كما باقي الوحيش، من هذا الغياب إلى الحضور، أم تراهما الغياب والحضور جعلاني لا أفهم ما ورائيات الكلام ؟
مرحى بالربيع، والجو البديع، ها نحن عدنا والعود “ثعلبُ”..

Leave a Reply