حوارات كافكا مع ثعلب المتاهة (1)

حوارات كافكا مع ثعلب المتاهة (1)

أمام القانون… وأمام الفوضى

البيروقراطية كسور أسود على أبواب العالم

لا شيء أكثر كافكاوية من باب، باب وحيد، يقف أمامه إنسانٌ واحد ليقضي عمره محاصراً، لا هو بالداخل ولا هو بالخارج؛ بابٌ يمثل القانون، والقانون هنا ليس سوى جدار من الصمت المُهيب، يبتلع الأرواح في دوامة انتظار لا تنتهي. في قصة فرانتز كافكا القصيرة “أمام القانون” (Vor dem Gesetz)، نقف مع رجل الريف أمام حارس الباب، الذي هو حارس القانون، ويُمنع من الدخول، ليس بقرار صريح ونهائي، بل بوعدٍ خادع: “ربما لاحقاً”. يمضي الرجل سنواته يتوسل، يقدم الرشاوى التافهة، يحاول اختراق الجدار الوهمي من الأسئلة والتهديدات، حتى يشيخ ويموت، وفي اللحظة الأخيرة، يتناهى إلى سمعه همس الحارس بأن هذا الباب “ما كان ليُفتح إلا لك”. في تلك اللحظة العبثية، يكتشف رجل الريف أن المأساة لم تكن في القوة القاهرة للحارس، بل في استسلامه للقانون كنظام إلهي غير قابل للنقاش أو التجاوز.

هذا المشهد، الذي كُتب في أوائل القرن العشرين، لا يزال هو الافتتاحية العبثية للعصر الحديث؛ لقد تحوّلت البيروقراطية الكافكاوية، التي كانت حبيسة مكاتب الإمبراطورية النمساوية المتهالكة، إلى هيكلية عالمية عملاقة تحكم الحركة، الموارد، وحتى الهوية. إنَّ أبواب القانون اليوم لم تعد محصورة في رواية، بل تُمثّلها الحدود الدولية المغلقة التي تُحاصر اللاجئين وطالبي اللجوء، وتُمثّلها أبواب السفارات والقنصليات التي تتقاذف طلبات التأشيرات والموافقات بين الرفض والانتظار اللامتناهي. القانون لم يَعُدْ نصاً يُطبّق، بل أصبح متاهة إجرائية صُمّمت لـ “تأديب” الإنسان على محاولته التحرك والعيش الحر، ليصبح “إنسان الريف” اليوم هو المواطن الجنوبي الذي يقف أمام أسوار الشمال المنيعة، ويُترك لـ “يموت” ببطء في طوابير الانتظار أو غياهب المخيمات المؤقتة.

الثعلب يُشعل القلق: العدالة كامتياز والأمان كحكم مسبق

في خضم هذا القلق البيروقراطي المُلقى على عاتق كافكا، الذي لم يجد في حياته حلاً لأي من قضاياه القانونية المعقدة، يظهر الثعلب. لا يظهر الثعلب من باب أو خلف جدار، بل من زاوية غير متوقعة في النص، كأنه الشكل السيميائي للـ “فعل النقدي” الذي يرفض الانصياع للعبث.

قال الثعلب، وهو يراقب بهدوء يأس رجل الريف: “لقد أخطأ كافكا، يا صديقي فرانتز، في مكان واحد من هذا المشهد. لم تكن المأساة في أن الباب كان مخصصاً له، بل في أنه بقي مؤمناً بوجود “قانون” واحد وشامل يحميه أو يرفضه بإنصاف. أين هي أبواب القانون المفتوحة؟ ألا تراها في تدفق الأموال والاستثمارات العالمية بلا تأشيرة؟ ألا تراها في جوازات السفر الذهبية التي تُباع لكل من يملك الثمن؟”

ويستطرد الثعلب، مُشيراً بذيله الساخر نحو خريطة العالم: “القانون الذي يراه رجل الريف في الممر المظلم هو قانون الفقر والحاجة، الذي يُفرض على الضعفاء. أما القانون الآخر، الذي لا يراه، فهو “قانون الإفلات من القانون” الذي يُشرّعه الأقوياء لأنفسهم. انظر إلى أزمة اللاجئين اليوم، إنها ليست أزمة “حدود مغلقة”، بل هي أزمة “ازدواجية العدالة”؛ فباب القانون مفتوح على مصراعيه للاجئ الأوكراني أو المهاجر الغربي، لكنه يصبح “باباً مخصصاً لك أنت فقط” للاجئ السوري أو الإفريقي، بابٌ يُحاصرك حتى الموت، لا ليحميك، بل لـ “ينظم” إخفاءك عن الوعي العالمي“.

لقد نجح القانون الحديث، والقانون الدولي تحديداً، في إحالة العبث الكافكاوي من حالة فردية إلى ظاهرة جيوسياسية. فما هي منظمة الأمم المتحدة، والاتفاقيات الدولية حول حقوق الإنسان، إلا “قلاع” (كما في رواية كافكا الأخرى) لا يمكن الوصول إليها، أو “قوانين” تقف وراءها جيوش من حراس البيروقراطية، لا وظيفتها تحقيق العدالة، بل تنظيم تأجيلها أو تبرير اختفائها في المتاهة الإجرائية. إنَّ القلق الذي شعر به كافكا في مطلع القرن كان قلقاً فردياً أمام سلطة الإمبراطورية؛ أما قلقنا اليوم، فهو قلق جماعي عالمي أمام سلطة “اللا-مكان” الذي تحكمنا منه المؤسسات العابرة للقارات، والتي تفرض قوانينها على أجسادنا وهوياتنا، فيما هي نفسها معفية من أي مساءلة حقيقية.

العبث كشرط بقاء والانتظار كفعل سياسي

إنَّ السؤال الذي يطرحه حوار كافكا مع الثعلب هو: هل القانون، في شكله الحديث، هو مجرد آلية لإعادة إنتاج الفوضى وإدارة الأزمة في الظل؟

في الرواية، لم يتوقف رجل الريف عن المحاولة، بل استمر في إهدار حياته أمام الحارس، كأنه يمارس فعلاً سياسياً عبثياً يتمثل في “الانتظار”. وهذا الانتظار، في واقعنا، يتحول إلى بنية سياسية كاملة؛ الدول تستخدم الإجراءات البيروقراطية الطويلة، واللجان المتعددة، والتحقيقات غير المجدية لـ “إذابة” القضايا الساخنة (كالقضية الفلسطينية أو النزاعات الحدودية المزمنة) في حمض البيروقراطية البارد، حتى تفقد زخمها الجماهيري وتتحول إلى مجرد ملفات رمادية على أرفف لا تُرى. القانون، بعبثيته الكافكاوية، هو الأداة الأكثر فعالية اليوم لـ “خلق العزلة المطلقة” للإنسان ضمن نظام عالمي مُتّصل ظاهرياً.

يختفي الثعلب في ثنايا النص، لكنه يترك لكافكا وللقارئ تساؤلاً لاذعاً: “عندما يموت رجل الريف، ويُغلق الباب إلى الأبد، هل تكون الكارثة قد حدثت بسبب القانون الذي كان مُقفلاً، أم بسبب القانون الذي كان مفتوحاً على مصراعيه لغيره؟ وهل نحن اليوم، يا فرانتز، نقف أمام القانون أم أننا أصبحنا نحن من يحمي القانون المتهالك من انهياره النهائي، خوفاً من فوضى أسوأ؟”

هذا الحوار هو مجرد البداية. في الحلقة القادمة، سيُفضي بنا الثعلب من باب القانون المغلق إلى قاعات المحكمة غير المرئية. انتظروا: “المحاكمة المستمرة: من جوزيف ك. إلى المواطن الرقمي”

Leave a Reply

Your email address will not be published.