حوارات أمبرطو إيكو مع ثعلب السيمياء (5/10)

fox eco

الحلقة الخامسة: الغابة تكتبنا في حضرة المعنى المتوارب

في أحد أقسام المكتبة التليدة الملأى بالنور المتسلل إلى عبىء العتم، تقاطعت خيوط الغبار والضوء الخافت مثل المعنى مع الأحبار القديمة التي خطت هذه الأسفار التليدة، بدا المشهد الخرافي ساميا وهامسا، حيث دخل الثعلب إلى المدماك الورقي، حيث لمح إيكو وهو يقبض على أثر من كتاب مفتوح، وبدا عائما هائما، كمن يوقظ الزمن من سباته الورقي. لمح الثعلب وهو يقترب من إيكو أكثر، أن هذا الأخير لم يكن فعلا يقرأ، بل كأنه يصغي بإمعان، وهذه عجيبة من عجائب إيكو – كعادته – التي لا تنقضي.

راغ الثعلب بعد شبه صمت تأملي في ملكوت اللحظة، كأنه أمسك بقبس نور نادر كان حجته في مطارحة الأسئلة والتساؤلات: سيد إيكو (مع تحية احترام برأسه)… حين تصغي للنص، هل نسمعه كصوت من داخل النص ؟ أم أنه فقط رجع الأفكار والفكر؟ بمعنى أدق هل النص يكون مسموعا بحواسنا، هل تلتقطه أنفاسنا وأرواحنا وفكرنا حينما ننتزعه من بين ركام الكلمات والفقرات والصفحات؟ هل النص كائن حي يتنفس عبر السطور، أم أن مجرد أثر لروح الكاتب التي تلاشت بمجرد أن ترك لنا نصه؟

رفع إيكو ناظريه تجاه نظر الثعلب، وكأنه كان ينتظر سؤال الثعلب قبل أن يطرحه :

يا ثعلب السيمياء، إن همس الكلمات، كهمس الأرواح، النص لا يسمع بل نحسه كرجفة. النص لا يعلو بصوته، لكنه يمارس علينا نوعا من التخاطر الغامض، بمعنى آخر، هو لا يسمح لنا بالفهم دفعة واحدة، لا يفصح ولا يفسح لنا المجال لذلك بسرعة بارقة. لكنه يترك القارىء في مساحة براح للولوج إلى فسحة المعنى. إن هذه الحالة شبيهة بعلاقة البحر بالشط، النص هو البحر الذي يترك آثار أحشائه ونفائسه دليلا وأثرا وشاهدا على أسراره المكنونة.

قال الثعلب وقد اتكأ على كتاب ضخم كأنه يستند إلى صخرة معرفية صلبة وشديدة الركن قائلا: وهل النصوص هي من تكتبنا أم أننا أولاء من يكتبها ويحشيها بلغة الوعي والرموز ؟

ابتسم إيكو ببطء شديد شبيه بتقليبه لصفحات سِفر قديم مجيبا من فوره:
أيها الثعلب، نحن حين نسائل النصوص فإنها لا تجيب من فورها، بل هي تستمتع بإنصات رخيم، تنفذ إلينا من خلال ارتعاشاتنا على الورق، تعيد صياغة أسئلتنا الوجودية. النصوص الفاخرة والجيدة تمتلك في نظري دهاء الغاب، نحن نسعى بين دغلها، بيد أنها تغير معالمها كلما أوغلنا في السعي. النصوص هي كالمرايا المتعددة والأواني المستطرقة، تعكس صورنا، وتمثل تعدد روافد هوياتنا المعرفية، إنها المسلك الذي تجتمع فيه أرواح المعاني والتباسات النصوص ويصنع الجواب الكبير.

أطرق الثعلب برهة كأنما يستنهض همة سؤال يتطلب جوابا شافيا، بعدما تسلل إليه معنى جواب إيكو كنسمة صباحية:
لكن هل تظن أن النص غابة؟ وأن الكتابة فعل إبداع لفك شيفرة دافنشية للوجود؟

هنا استوقفت عبارات الثعلب دهاء إيكو، وأشار من مقعده إلى رفوف الكتب المرصوصة بعناية فائقة، كأنها جدار المعرفة:
الغابة نص حي أيضا… مثلما أن النص غابة حية، فالورقة التي تساقط من علياء شجرة، شبيهة بالكلمة التي تسقط من الحبر وتدون في حاضنة الورق، الكلمات هي تجسير نحو دورة الحياة، والأمر كذلك بالنسبة لقطرة تجعل من النهر الأزرق نهرا عظيما، إنها كثافة الكلمات، أو كثافة الرموز التي تتصل بعضها ببعض بعمق. الأمر شبيه بالشبكة العنكبوتية، كل خيط فيها مهما كان رفيعا، فإنه يهتز بمجرد حركة بسيطة ويجعل باقي الخيوط المتراكبة المتشابكة تهتز من وقع ذلك.

بدا الثعلب كمن يقلب ناظريه جائلا، بدا كمن يدون عديد الأشياء في دماغه ويلتقط النفائس وعاد يسأل:

أفهم من كلامكم سيد إيكو، أننا في كل مرة نكتب نحن بصدد الخروج من المتاهة أو المحاولة في ذلك، رحلة إلى أدغال الذات واستكشاف للمعاني المخفية؟!

أومأ إيكو كأنه وافق الثعلب في طرحه، كمن يؤكد حقيقة وجودية وكونية:
أجل، ونحن هنا بصدد الحديث عن القراءة التي تحارب الاضمحلال، ولا تعمق التيه الوجودي، أن تعرف أنك لا تعرف، هكذا يجلي الحبر الأشياء عبر اعترافاته على الورق. الكتاب هنا هي محاولة حثيثة لتأجيل بلوغ نهاية المعنى، ولإطالة اللحظة التي تتجلى فيها المعاني.

ثم صاح الثعلب بعد أن أفاض إيكو بمعان كثيرة في رده :
إذن فنحن نصوص ستعمر طويلا، نحن أمام أجيال من التأويل.

انتهى الحوار مرة أخرى على وقع هذا السيل العارم من الأفكار، مرت اللحظات وئيدة لكنها مليئة بأعطيات إيكو، فيما راغ ثعلب السيمياء يجول بين الرفوف الخشبية، وهو في لهفة وشوق اللقاء القادم، بينما عاد إيكو ذائبا بين صفحات الكتب يمارس طقوسياته القرائية في مدماك المكتبة العظيمة.

(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.