اِرتقاء السُلّم الاجتماعي: الحَركية الاجتماعية في العصر المملوكي

المماليك المصرية القديمة

تقديم

تُعدّ فترة حكم المماليك في مصر وبلاد الشام من أكثر العصور التاريخية ثراءً لما تزخر به من ملامح تاريخية مهمة تعكس تطور المجتمع الحضري المملوكي. تناولت معظم الدراسات الحدیثة لعصر المماليك الجانب التاريخي والسیاسی والعسكری في حين اهتمت الدراسات الاجتماعية بمنظومة المجتمع المملوكي. اتسمت طبقة المماليك بالتفاوت على المستوى الاجتماعي بين فئات السكان: الأعيان أو النخبة و العوام أو اللاّنخبة.

وعلى غرار ذلك، تستعرض ارملي بيرو (Irmeli Perho) في دراستها الاجتماعية التالية ما كابده العوام من أجل الارتقاء الاجتماعي خلال فترة حكم المماليك في مصر. ولقد فضّلتُ، في ترجمتي، استعمال مصطلح الحركية الاجتماعية بدل الحراك الإجتماعى  [1]Social mobilityلكي أشير إلى “التدرّج الاجتماعي” بين طبقات المجتمع المملوكي وتعزيز الوجاهة الاقتصادية للعائلة.

وإزّاء ذلك، اعتمدت إرملي بيرو في دراستها على مرجع رئيسي هو كتاب “الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة” لابن حجر العسقلاني (773 هـ-852 هـ). يقول ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه: “فهذا تعليق مفيد جمعت فِيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الهجرة النبوِية من ابتداء سنة إحدى وسبعمائة إِلى آخر سنة ثمانمائة من الأعيان والعلماء والملوك والأمراء وَالكتاب والوزراء والأدباء والشعراء وعنيت برواة الحديث النبوي فذكرت من اطلعت على حاله وأشرت إِلَى بعض مروياته إذ الْكثير منهم شيوخ شيوخي وبعضهم أدركته ولم ألقه وبعضهم لقيته ولم اسمع منه وبعضهم سمعت منه… “[2] وقد أَتبع ابن حجر كتابه بمجلد خاص أسماه “ذيل الدرر الكامنة في أعيان المائة التاسعة“. إذ ترجم فيه لأعيان القرن التاسع إلى عام 832 هـ على غرار أعيان المائة الثامنة. ضمّ قاموس ابن حجر أشخاصا قلائل من عامة الشعب لأنه كان نادرا ما بلغ العوام مكانة الأعيان.

ولكن رغم ذلك، تمكن بعض العوام من الارتقاء إلى وسط الأعيان منهم فئة العلماء، اعتمادا على النسب والشبكات الضرورية لذلك. نظريا، كان الوسط العلمي منفتحا على الجميع، وكانت الكفاءات مهمة؛ ولكن عندما يفتقر الشخص إلى الشبكات الضرورية لا يستطيع الحصول على التعيينات الرفيعة. لم يكن عدد العوام الذين انضموا للأوساط العلمية كبيرا جدا، لكن سجلات ابن حجر تقدم بعض الأمثلة القليلة التي تعكس ارتقاءً ملحوظا خلال جيل واحد. كان، مثلا، بوسع ابن نجار أن يتعلم أولا حرفة النجارة، ثم بعد ذلك يكرس وقته للتعليم ليرتقي لاحقا إلى منصب نائب القاضي.

تمكن بعض العوام من الحصول على مناصب إدارية مهمة من خلال العلاقات الشخصية مع أفراد من نخبة المماليك. تقدم كاتبة المقالة أمثلة في هذا الصدد لتشير إلى الترقية النوعية التي عرفها بعض العوام من خلال المصاهرات أو رعاية أعيان المماليك. كان على العوام القادرين على الانضمام إلى الأوساط العلمية توظيف وقتهم في تكوين الشبكات الضرورية من أجل الانتقال من وظائف مهمشة إلى وظائف مرموقة.

ومن ناحية أخرى، يؤمن أحيانا تراكم الثروة للعوام مكانة وسط الأعيان. لم يقتصر ابن حجر فقط على تدوين الأشخاص الذين جعلتهم وظيفتهم أو تورثهم أو مستواهم العلمي من النخبة، بل ضمّ أيضا أشخاصا اشتهروا من خلال بعض الأعمال الاستثنائية. وعلى الرغم من الاختلافات بين مجتمعنا المعاصر والمجتمع المملوكي، فإن ثمة تشابه على صعيد الفوارق الاجتماعية بين فئات المجتمع الحضري.

[1] جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، المجلد الأول، ص. 522. القاهرة : المجلس الأعلى للثقافة، 2001.

[2] ابن حجر العسقلاني ،الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. السفر الأول. المقدمة. ص.4. حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية، 1930.

الدراسة

كثيرا ما يقال أن المجتمع الحظري المملوكي كان متكافئا نسبيا في غياب ما يعيق الارتقاء الاجتماعي. وطالما اعتبرت الفئة الاجتماعية للعلماء، على وجه الخصوص، فئة منفتحة ارتكز الانضمام إليها على مسألة الاستحقاق العلمي لا غير، في حين لم يكن للأصل الاجتماعي أهمية كبيرة.[2] إلاّ أن أولريش هارمان (Ulrich Haarmann) يرى خلاف هذا الرأي، حيث كشف أن العلماء لم يكونوا متحمسين لضم أحفاد المماليك لصفوفهم؛ كما أن أبناء المماليك بدورهم كانوا أغنياء كفاية لكي يخصصوا جزءا من وقتهم لطلب العلم، أضف إلى ذلك أن العلماء الذين كانت لهم مكانتهم كانوا يستعملون خلفياتهم الأجنبية للانقضاض عليهم.[3]

يبحث هذا المقال في درجة الصعوبة التي كان يجدها العوام للحصول على نفس شهرة العلماء أو لإدراج أسمائهم في قائمة الأعيان المدنيين بناء على استحقاقات أخرى. ويصف ابن حجر العسقلاني في كتابه الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة[4] سير ومهن أعيان القرن الثامن/ الرابع عشر. صحيح أنه كان بينهم أفراد من عامة الناس، غير أن عددهم كان ضئيلا، وهو ما يوضح أن اِرتقاء السُلّم الاجتماعي كان ممكنًا، إلا أن العوام نادراً ما بلغوا مكانة الأعيان.

وعندما يشير ابن حجر إلى الأصل العاميّ للشخص الموصوف، فهذا يكشف بوضوح أن هذه المعلومة كانت لها أهميتها، خاصة وأن إدراج مهنة الأب غير العلمية يدل على أن النسب كانت له قيمته بالفعل؛ وإلا فما الداعي لذكر أن أبا شخص ما “قيل إنه كان حمالا؟”[5]. بالإضافة إلى ذلك، وجدتُ في بحثي أن ثلاث حالات يصف فيها ابن حجر العوام بطريقة تُظهر تحاملا واضحا. بداية، في المدخل المخصص للشاعر إبراهيم بن علي المعمر غلام النوري، يشير ابن حجر إلى أنه “على الرغم من أن إبراهيم كان من العوام، إلا أنه كان ذكيا وموهوبا ولطيفا”[6]. وعلى نفس المنوال، يصف الشاعر يوسف بن عبد الغالب بأنه “شاعر جيد ولو أنه من العوام”[7]. وأخيرا، يصف ابن حجر محتسبا مغمورا هو محمد بن علي بأنه ” عامّي فظ وغليظ.”[8].

وهذا يقودنا إلى التساؤل: كيف تمكّن العوام من تخطي الحواجز الاجتماعية ودخول صفوف الأعيان؟ ولدراسة الاستراتيجيات الفردية للارتقاء الاجتماعي، بحثت في نماذج مسارات أشخاص بدأوا حياتهم كعوام أو انتمى آباؤهم إلى عوام الناس.

العوام في قاموس ابن حجر

شكّل العوام شريحة اجتماعية واسعة قسّمها إيرا لابيدوس ((Ira Lapidus إلى ثلاث فئات؛ حيث تألفت الفئة الأولى من التجار والأطباء والحرفيين والعمال المحترمين، ثم تلاها سيئوا السمعة ممن كانوا يمتهنون حرفا كانت على المستوى الأخلاقي محل شبهة أو كانت مرتبطة بمواد مدنسة على غرار المرابين والصيارفة والجزارين والدباغين وغيرهم. أما الطبقات الدنيا فضمت المتشردين والباغيات والمتسولين وممن عاشوا على هامش المجتمع[9].

لقد اتبعتُ بعض المعايير عند تصفح مواد قاموس ابن حجر وانتقاء المداخل البيوغرافية المهمة. أولا، حصرت اختياري على الأشخاص الذين عاشوا في مماليك سوريا ومصر؛ ثانيا، انتقيت أشخاصا اكتسبوا إما هم أنفسهم أو آباؤهم لقمة عيشهم من مهنة ما، وصنّفتهم ضمن الطبقة الاجتماعية للعوام. وأشير هنا إلى أني اخترت أناسا ذكر ابن حجر أعمالهم بشكل صريح. وينطبق نفس الأمر على أعمال الآباء. كما أني استبعدت الحالات التي استعملت فيها المهنة ككنية عوض ذكر حرفة الوالد الحقيقية.

وكان من السهل جدا إدراج مختلف أصحاب الحرف، حيث من الواضح أن الخياط والنجار والبنٌاء والحمال هم من العوام. إلا أني اخترت من اشتغل كبواب أو كناس أو قيّم في المساجد أو المقابر أو المدارس الدينية. وكان هؤلاء هم الأقل أجرا في المؤسسات الدينية، ومع أنهم اشتغلوا وسط العلماء، إلا أنهم لم يصلوا إلى درجة العلماء. وأدرجت أيضا المؤذن حينما تكون تلك مهنته الوحيدة أو حينما تقترن بحِرفة أخرى.

وتمثل فئة التجار فئة معقدة نظرا لارتباط الوضع الاجتماعي للتاجر بمقدار ثروته وطبيعة تعاملاته. ويمكن ببساطة إدراج تاجر التوابل أو الجواهري ضمن فئة الأعيان، في حين أن احتمال اغتناء تاجر القطن أو الصابون كان ضئيلا. كما أدرجت مع أصحاب المحلات التجار الذين قيل إنهم كانوا يعملون في دكاكين أو يبيعون مستلزمات يومية، في حين حذفت تلك المداخل التي لم يحدد فيها ابن حجر نوع نشاط التاجر. وعلى غرار التجار، يمثل الأطباء عموما وأطباء العيون بشكل خاص إشكالية مماثلة لأنهم ربما انتسبوا إلى العامة أو إلى النخبة، في حين ارتكز وضعهم الاجتماعي على خلفية المستفيدين من خدماتهم: فمن كانوا يعالجون النخبة كانت لهم مكانة اجتماعية راقية، عكس من كان مرضاهم من شريحة السكان البسيطة الحال. وبما أن ابن حجر لا يقدٌم عادة أي تفاصيل عن خلفية المرضى المعالجين فقد دفعني ذلك إلى استبعاد هاتين المهنتين.

وعلى هذا الأساس، استطعت تحديد تسعين سيرة بيوغرافية لها صلة بالموضوع من بين 5962 شخصية ذُكرت في القاموس[10]. وهذا الرقم ليس دقيقا لأنه يشير ضمنا إلى ما قمت باستبعاده شخصيا، وفي جزء منه إلى كون ابن حجر لا يذكر معلومات عن نمط عيش الأفراد. لكن وعلى الرغم من أن التقدير الكمي ما يزال غير دقيق، فهذا العدد الضئيل جدا يؤكد بوضوح أن الارتقاء في السلم الاجتماعي كان أمرا صعبا ونادرا. وهذا يتفق مع الاستنتاج الذي سبق وخلصت إليه في دراستي السابقة بخصوص الأدب الشعبي المعاصر، حيث تُصوّر القصص المدروسة نظاما اجتماعيا صارما لدرجة أن الارتقاء فيه كان نادرا وأنه طالما نُظر للطموح الاجتماعي على أنه سمة سلبية[11].

طول العمر أساس الشهرة

إن الغالبية العظمى من العوام ممن ذكرهم ابن حجر في قاموسه هم من أهل الحديث الذين استندت شهرتهم إلى قدرتهم على حفظ الأحاديث وروايتها. وكان حفظ الحديثة فضيلة دينية، وذلك بناء على حديث منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم: “من حفظ على أمتي أربعين حديثا ينتفعون بها، أن يدخل الجنة من أي باب يرغب فيه”[12].

وكان المحدث بحاجة إلى ذاكرة جيدة للحفظ وإلى إلمام أساسي بالقراءة والكتابة، في حين لم يكن هناك حاجة لأي معارف أخرى. لكن الحفظ لم يكن كافيا لضمان الشهرة، فكي يصبح المحدث ناجحا حقا كان يحتاج لتقدير المتلقي. ويذكر ابن حجر أن العلماء المصريين كانوا يتحلقون حول حسن بن عمر[13] ويستمعون بشغف لرواياته، حيث أدركوا قيمته كراوي للحديث في عام 713م، أي عندما بلغ سنه الثامنة والثمانين. وحسب ابن حجر دائما، فقد صادف بعض الطلاب اسم حسن في أسانيد طالعوها، وبعد التأكد من سنه المتقدم قرروا البحث عنه. فبدأ الطلاب يترددون على حسن لدرجة أنه أصبح محط اهتمام من طلاب الحديث في السنوات الأخيرة من عمره.

وتعود شهرة حسن إلى أيام طفولته حينما كان والده يعمل كنّاسا وقيّما على أحد أضرحة دمشق. وأدرك الأب مكانة المحدث فحرص على تقديم ابنه للعلماء وهو في سن مبكرة جدا. ويذكر ابن حجر أن علي بن اللطي كان المعلم الأول للطفل. وحسب الصفدي، لم يتجاوز عمر حسن عندما سمع أحاديث اللطي ثلاث سنوات[14]. ولم يكتف حسن بحفظ الأحاديث وحدها، بل حفظ مؤلفات في الفقه والتفسير. ويبدو أن إلمام حسن بهذه المواد بدأ في سن مبكرة، إذ يخبرنا ابن حجر أن حسن درس موطأ مالك على يد مكرم بن محمد(المتوفي سنة 1238 م/ 635 هـ) ولم يتجاوز عمره بعد خمس سنوات أو ست[15].

وكان من الأهمية بالنسبة لكل محدث طموح سماع الحديث عن أهل الحديث المعاصرين المشهورين والحصول على إجازة تخول له رواية الحديث فيما بعد. ويفضل في الفقيه أن يكون شيخا كبيرا لأن ذلك يقلص عدد الرواة في إسناد الحديث، حيث كان طول الإسناد عاملا مهما من عوامل الثقة في النقل: فكلما كان الإسناد قصيرا كان أقرب إلى النص الأصلي. وعليه فقد مُنح المحدثون الكبار المعروفون إجازات للأطفال حدثاء الأسنان ولو أنهم ربما لم يكتسبوها عن طريق حفظ النصوص. ومع ذلك، فقد كانت هذه الممارسة مقبولة لأنها اعتبرت وسيلة مباشرة لرواية الحديث من جيل مدبر عن الدنيا إلى جيل مستقبل لها. وكان يفترض في الطفل الحاصل على الإجازة أن يحفظ الأحاديث عند بلوغ سن الرشد[16]. وربما هذا هو حال حسن أيضا، فمن الواضح أنه لم يقدر على حفظ النصوص وهو في الثالثة من عمره حينما كان ضمن تلامذة اللطي.

وبعدما بلغ مبلغ الرجال انتقل من دمشق إلى القاهرة، ففتح هناك متجرا للورق في الجيزة عند بوابة الجامع الرئيسي. كما عمل مؤذنا في مسجد صغير. مرّ الزمن و”اكتشفه” علماء مصر فأصبح له جمهور علمي واسع. لقد عمّر أكثر من معاصريه واعتُبر آخر شخص في مصر يروي الحديث مباشرة عن علماء دمشق الكبار ممن سمع عنهم وهو طفل صغير السن[17]. ويعدّ حسن نموذجا مثاليا لمحدث مشهور بدأ مسيرته في سن مبكرة وعاش عمرا طويلا.

وبالرغم من أن أبا علي كان يكنى بحسن إلا أن ابن حجر لم يتطرق إلى سيرته. وتتمثل إحدى الصعوبات في استعمال قاموس للتراجم مصدرا للبحث في صعوبة إيجاد أصل الشخص موضوع البحث. وتأتي التراجم مرتبة حسب الاسم الشخصي متبوعا باسم الوالد والجد وغيرها. إنه من اليسير كفاية تتبع الأنساب نحو الماضي، غير أنه يبقي شبه مستحيل التعمق أكثر سيما إذا كان المدخل لا يقدم الاسم الشخصي للابن أو للأبناء. وقد يجري أحيانا إعطاء كنية للشخص، غير أن ذلك يفيد فقط في حال ما إذا أشارت بالفعل إلى الابن الذي اكتسب شهرة كافية تكون سببا لإدراجه في القاموس؛ أما إذا بات أحد الأبناء الآخرين مشهورا هو الآخر أو كانت الكنية مجرد لقب لا يشير إلى أي ابن فعلي، فهذا يؤدي بنا إلى طريق مسدود[18].

وفي حالة حسن فإن القاموس لم يدرج سيرة علي. ولقد تصفحت القاموس بحثا عن أبناء بأسماء شخصية مغايرة ولكن لم أجد. ربما يكون حسن- مثله مثل والده- قدم ابنه أو أبنائه للعلماء في سن مبكرة، لكنهم كانوا أقل حضا من أبيهم الذي ضم إلى طول العمر الإجازات القيمة، وهو شرط ضمن له الشهرة والمكانة.

الارتقاء التدريجي

أحيانا يقدم ابن حجر معلومات كافية لتتبع شجرة النسب المكونة من عدة أجيال وأيضا لدراسة تطورات الوضع الاجتماعي لأفرادها. ففي حالة إبراهيم ابن محمد يمكن تتبع عائلة المحدّثين بدءًا من إبراهيم إلى ابنه محمد وحفيده عبد الله. وتشير البيوغرافيا إلى أن الحركية الاجتماعية التي حققتها الأسرة على طول الأجيال الثلاثة كانت متواضعة، وأن مكانة فرد العائلة إنما رجعت إلى نشاطه كمحدّث. ويبين بطء هذه العملية والخطوات الصغيرة المتخذة حقيقة معظم الأسر التي تحاول ارتقاء السلم الاجتماعي.

كان إبراهيم ابن محمد[19] المؤذن الأول في الجامع الأموي بدمشق حيث اشتهر هناك بصوته الجميل. وإلى جانب واجباته كمؤذن حفظ الحديث وتمكّن من تحصيل بعض الشهرة كراوي حديث بفضل ارتباطه ببعض العلماء المرموقين. ويذكر ابن حجر أن شيخه برهان الشامي[20] حصل بدوره على إجازة من إبراهيم بن محمد.

مكّن اتصال إبراهيم بالعلماء ضمان تلقين ابنه محمد[21] الأحاديث وهو في سن مبكرة. ومن المعروف أنه حضر دروس تلقين الحديث في العام 694 م وهو ابن عشر سنوات. ومن ثم سافر إلى كل من حلب ومكة والمدينة المنورة والقاهرة بغرض تلقي الحديث عن المحدثين. واكتسب سمعة جيدة كطالب مجتهد. ويستشهد ابن حجر بتعليقات شمس الدين الذهبي المشيدة بذكاء محمد وبطبيعته المرحة. ومن المرجح أن يكون محمد عمل مؤذنا مثل أبيه ويبدو أيضا أنه وسع نطاق نشاطه العلمي بعمله كشاهد (كاتب عدل) لفترة قصيرة. لم يعمر محمد طويلا إذ وافته المنية سنة 735م عن عمر ناهز الخمسين سنة وذلك بعد شهر واحد على وفاة والده. ويشير ابن حجر إلى أن محمد ظهر لأحدهم في منامه وأخبره بحال بعض الأشخاص الآخرين في الجنة. ويعني إدراج هذا النوع من التقارير في المدخل أن محمد بن إبراهيم حاز مكانة لا بأس بها في حياته. بدوره أضاف المقريزي نعيا له في كتابه “السلوك في معرفة دول المملوك[22]، وهو ما يمثّل دليلا آخر على الشهرة التي نالها محمد.

سار نجل محمد ابن ابراهيم، عبد الله[23]، على خطى والده وجدِّه وشق طريقه كمحدث أولا عن طريق حفظ الأحاديث المروية محليا، ولاحقا عن طريق توسيع معارفه من خلال القيام بدراسة مستقلة. ويشيد ابن حجر بفطنة عبد الله وبقدرته على سرعة القراءة وطلاقة لسانه. ويبقى المدخل الذي خصصه ابن حجر لعبد الله قصيرا جدا ولا يقدم سوى معلومات قليلة، غير أن هناك إشارة مقتضبة إلى أنه اشتغل كناسخ[24]. وكان النسخ حرفة علمية محترمة وبالإمكان اعتبارها ارتقاء إذا ما قُورنت بمهنة الأب المؤقتة كشاهد. وعلى الرغم من هذا الارتقاء، يشير مدخل ابن حجر الشديد الاختصار إلى أن شهرة عبد الله لم تصل لمستوى شهرة والده.

ومع أن كنية عبد الله هي أبو محمد، فإن قاموس ابن حجر لم يشر إلى أي ابن بهذا الاسم، ولا حتى القاموس الذي يغطي القرن التاسع الهجري الموافق للقرن الخامس عشر الميلادي الذي ألفه تلميذه محمد السخاوي[25]. لقد كان عبد الله أقل شهرة من والده ومن المرجح أن ابنه أُسقط تماما من قائمة الأعيان والوجهاء.

صحيح أن السِّير الثلاث تظهر تغيرا طفيفا في وضع الأسرة، غير أنه فيما يخص أغلبهم، أي الأب والابن والحفيد، فقد مثّلت وظيفة المحدِّث الوظيفة الأبرز في مسارهم. ويمكن اعتبار الانتقال من العمل كشاهد إلى الاشتغال في النسخ والتدوين نوعا من الارتقاء، إلا أن أيّا منهم لم يتخذ خطوات أخرى لاكتساب المزيد من المعارف العلمية والتي كان من الممكن أن توفر له وظائف استثنائية في التدريس والقضاء. ولا يرجع هذا الأمر إلى غياب الموهبة والمهارة، فقد ذكر ابن حجر ثناء العلماء الصريح على كل من محمد وعبد الله.

وربما يعزى ذلك إلى افتقار الأسرة للعلاقات التي يمكن أن تؤمن هذه التعيينات. ومن المعروف أن المحدّثين كانوا على تواصل مع العلماء، حيث اكتسب بعضهم الشهرة، إلا أنها شهرة لم تكن كافية لجذب انتباه الأغنياء والمترفين لتمويل مسارهم العلمي ودعمه. ويشير عدد كبير من البيوغرافيات الواردة في قاموس ابن حجر إلى أهمية هذا النوع من الرعاية. وعلاوة على ذلك فقد تمكنت بيوت العلم المعروفة من الدفع بأفرادها، حيث تشير دراسات أخرى إلى أن بعض العائلات احتكرت التعيينات في المناصب العليا[26]. وكان على العوام القادرين على الانضمام إلى الأوساط العلمية توظيف وقتهم في تكوين شبكة العلاقات الضرورية التي تخوّل لهم الانتقال من وظائف مهمشة إلى وظائف مرموقة. وتبين حالة إبراهيم بن محمد وابنه وحفيده أن مدة ثلاثة أجيال لم تكن كافية لإنشاء شبكة علاقات علمية فعالة من شأنها تأمين الارتقاء الاجتماعي للأسرة، وبالتالي الاعتراف بها كواحدة من الاسر العلمية. وكما هو الحال كان الجيل الثاني ممثلا في محمد الجيلَ الذي حاز على أعلى درجات الاستحسان، واحتفظ الجيل الثالث إلى حد ما بنفس الوضع، في حين أن الجيل الرابع طاله النسيان مرة أخرى.

أهمية شبكة العلاقات: من الخَرَّاط إلى القاضي

تقدم سيرة محمد بن سلمان[27] معلومات مفصلة وكافية لشرح حيثيات مساره العلمي بالرغم من بدايته المتواضعة كحرفي. وحسب ابن حجر، انتقل محمد بن سلمان وهو صبي رفقة والده من الشرق إلى حماة. وتعلم محمد في البداية الخراطة إلا أنه سرعان ما غيّر مساره نحو طلب العلم، حيث يذكر ابن حجر أنه أصبح عالما متفوقا في وقت قصير. وتزوج من أخت أحد معلميه وهو جمال الدين يوسف بن الحسن الحموي (توفي 1407هـ /809م)[28]. كما درس القانون وعُيّن نائبا لقاضي في حلب عام 776م. وبعد توليه لهذا المنصب بمدة وجيزة عيّن قاضيا. وكان أيضا قيّما لعدة مدارس. ويؤكد ابن حجر أنه كان لمحمد بن سلمان ولدين هما محمد وعبد الرحمن عُرفا بإجادة الشعر. وورث أحد الأبناء وهو عبد الرحمن منصب أبيه في القضاء بعد وفاته سنة 806م.

إن الارتقاء المثير الذي حققه محمد بن سلمان من حرفيّ إلى قاضي يستحق دراسة لوحده. ويشير ابن حجر إلى محمد باسم شمس الدين محمد بن سلمان بن عبد الله الحومي ثم الحلبي. ويذكر السخاوي محمد بن سلمان في “”الضوء اللامع”، ويضيف إليه لقب الحراني الشافعي[29]. وهناك المزيد من المعلومات عن أسلاف محمد في سجلات السخاوي بخصوص ابني محمد. ووفقا للسخاوي، كان الابن البكر هو عبد الرحمن في حين أن والدته هي أخت جمال الدين يوسف. وقد ورد ذِكر جدّ عبد الرحمن الأكبر تحت اسم القاضي العلامة شمس الدين المروزي[30]. ويعود أصل الأسرة إلى الشرق، بدءا من مِيرف ولاحقا بحَران. وقد خوّل نسب العائلة تصنيفها ضمن الفئة الاجتماعية للأسر العلمية؛ وقد أجبر تقدم المغول العائلة إلى التوجه غربا وجلب والد محمد لحَماة.

ويفترض أن انتماء محمد لأسرة علمية ساعده في مشواره العملي، حيث كان والده وافدا جديدا وكان لزاما عليه أن يتعلم أولا حرفة تجارية؛ غير أنه سرعان ما كرّس جهوده لطلب العلم، وارتقى بمساره المهني بعد مصاهرة أسرة علمية محلية، وهو حدث يعكس القبول بانخراطه في صفوف الطبقة العلمية المثقفة، وإلا فإن زواج حرفي بأخت عالم ما كان ليحدث. ولعل اعتراف الوسط العلمي بأسرة محمد قد ساعده أيضا على تحقيق علاقة الزواج[31]، حيث كانت المصاهرة الجديدة وراء تأمين تعيينه اللاحق في سلك القضاء.

ومما يعكس أهمية العلاقات العائلية أن نجل محمد الأكبر، عبد الرحمن، ورث منصب والده بعد وفاته. واشتهر عبد الرحمن بقرض الشعر وبنشاطه الأدبي. واستقر في نهاية المطاف بالقاهرة، ويذكر ابن التغري بردي أن عبد الرحمن ألقى قصيدة في حضرة السلطان الملك الأشرف برسباي عام 829م احتفالا بفتح قبرص. صحيح أن عبد الرحمن شغل في القاهرة مناصب إدارية سامية[32]، إلا أن  شهرته ترجع على ما يبدو إلى موهبته الشعرية أساسا وهو ما يشير إليه ابن التغري بردي في نعيه له بأنه كان شاعرا عظيما[33].

وفي العام 815م[34] حصد الابن الأصغر محمد في القاهرة شهرة واسعة بصفته شاعرا. ومع أن مدخل السخاوي عن محمد وجيز نسبيا، إلا أنه يفيد كون شعر محمد كان محل تقدير العلماء. ويذكر أيضا أن محمد حصل على منصب إداري في القاهرة في ديوان الإنشاء. وتوفي بالطاعون عام 1420هـ/823م[35].

واستطاع الأخوان لفت انتباه العالم الشافعي ناصر الدين بن الباريزي (المتوفى 1420ه/823م)، ولعل ذلك بسبب علاقاتهما العائلية في سوريا. وكان ابن الباريزي صديقا للأمير شيخ المحمودي الذي أصبح فيما بعد السلطان الملك المؤيد شيخ في عام 815م الموافق لـ 1412ه [36]. وحسب السخاوي فقد جاء محمد، وهو أصغر الأخوين، إلى القاهرة رفقة ابن الباريزي الذي كان مقربا له. لابد إذا أن ابن الباريزي هو من استخدم علاقاته بنخبة المماليك لتأمين أول تعيين إداري لمحمد في القاهرة[37]. وبعدما وصل عبد الرحمن، الأخ الأكبر، إلى القاهرة ساعده ابن الباريزي أيضا في مباشرة وظيفته الادارية في ديوان الإنشاء[38].

ولم تذكر أي من المصادر التي أدرجت أسماء أبناء عبد الرحمن ومحمد وهو ما حال دون تتبع مسار الجيل التالي. ومع ذلك، لابد أن الأبناء تلقوا تعليما جيدا وكانت لديهم فرص وفيرة للاستفادة من شبكات علاقات أباءهم والسير على خطاهم في الأوساط العلمية.

اقتران الموهبة بالرعاية

يمثل محمد بن يوسف[39] عينة شكلت فيها الموهبة والثروة الأولية والرعاية المناسبة مقومات النجاح، فقد ولد يوسف ابن أحد الصيارفة في الجزيرة. وكانت مهنة الصرافة من المهن سيئة السمعة نظرا لارتباطها بأرباح غير قانونية. ويذكر ابن حجر مهنة الأب لكنه يبرز أن محمد بن يوسف جاء إلى مصر بمفرده (مجرّدا)، وهو ما يشي بترك والده سيء السمعة في الجزيرة. استقر في قُوص وتابع تعليمه في مختلف المجالات. ولم يتطرق ابن حجر لموارد محمد المالية كما لم يذكر أي عمل له أو مهنة امتهنها. ومن المرجع أن تجارة والده قد وفرت له ثروة كافية لجعله يركز أكثر على دراسته. وعُيّن محمد فور انتقاله إلى القاهرة بطريقة استثنائية في مدارس مختلفة. يبدو أن محمد كان عالما متعدد المواهب إذ لم يكن مهتما بالعلوم الدينية فحسب، بل أظهر ميولا للآداب والمنطق والرياضيات. ومن المؤكد أنه كان يُدرّس هذه المواد للطلاب المسيحيين واليهود وللطلاب المسلمين أيضا.

أصبح محمد في القاهرة مرافقا للأمير بيبرص الجاشنكير (المتوفى سنة 1310مـ الموافق 709ه). ويذكر ابن حجر أن رعاية بيبرص له قد رفعت من مستواه. وعلى الغالب الأعم، كان الأمير بيبرص وراء تعيين محمد خطيبا في مسجد القلعة. صحيح أن هذه الرعاية شرطا أساسيا لتأمين التعيين في مناصب سامية غير أن الراعين كانوا سريعي التقلب. وكان الأمير بيبرص يفضل أيضا شخصا آخر هو نصر بن سلمان المنبجي مؤسس زاوية في باب النصر في القاهرة. وكان نصر في الأصل فقيها لكنه فضل حياة الزهد الصوفية. وحسب ابن حجر، كان لنصر تأثير كبير على بيبرص الذي اعتمد عليه كثيرا، إلى أن بات نصر مؤثرا للغاية خلال الفترة القصيرة التي اعتلى فيها بيبرص كرسي الحكم (1309-10 هـ الموافق لـ 708-9م).[40] ويشير ابن حجر إلى أن نصر تآمر على محمد. ويعتقد أن اهتمام محمد بمواضيع غير دينية مثل المنطق والرياضيات، إلى جانب التنوع الطائفي لطلبته دفع نصر إلى كرهه، حيث تسبب نفوذ نصر في تخلي بيبرص عن حماية محمد ومن تم فصله من منصبه كخطيب في مسجد القلعة. وبعدما ولى عهد بيبرص تحسنت أحواله من جديد وعين خطيبا في مسجد ابن تطولون.

وتمثل سيرة علي بن محمد[41] حالةً أخرى توضح كيف أن جزءا من النجاح يعود إلى رعاية المماليك، فقد ولد علي بن محمد ابن اللحّام في بعلبك، وتوفي والده وهو ما يزال طفلا وترعرع على يد خاله الذي علمه العمل بالكتان. ويؤكد ابن حجر أن علي اهتم بطلب العلم وبدأ في دراسة الفقه الحنبلي، غير أنه لا يخبرنا كيف تمكّن عامل الكتان من تغيير مساره بهذه الطريقة، ولكنه يفترض أن علي جنى ثروة كافية مكّنته من تكريس وقت أكبر للدراسة. وتفوّق علي في دراسته وعرف بتأليفه لكتب في أصول الفقه[42]. ويبدو جليا أن مواهبه حازت استحسان المجتمع العلمي الدمشقي إذ يذكر ابن حجر أنه عمل مدرسا ومفتيا. وفي مرحلة من مراحل حياته عُيّن عليّ نائباً في الحكم. لقد كان فعلا عالما معروفا حينما احتل تيمور لنك حلب سنة 803م فغادر دمشق واستقر في القاهرة. ولدى وصوله إلى هناك، حصل على وظيفة في التدريس في المنصورية، وبعد أشهر معدودة، وقبل وقت قصير من وفاته[43]، عُرض عليه منصب القاضي ولم يقبله.

وفي حديث المقريزي عن المرحلة الأخيرة من مسار عليّ المهني، أكّد أنه كان على صلة بالأمير يشبك الدوادار الذي كان بمثابة راعيه في القاهرة، ولكن المقريزي لم يقدم أي معلومات تفيد كيف استطاع علي جذب انتباه الأمير[44]. بدوره لم يذكر ابن حجر أي من الرعاة السوريين أو الشبكات العائلية التي من ربما تفسر النجاح الذي حققه علي في سوريا، غير أنه أشار إلى أن علي ألقى المواعظ في الجامع الأموي. قد يكون نشاط الوعظ والإرشاد جذب انتباه أعيان المماليك المحليين فساعدوه فيما بعد للحصول على منصب نائب في الحكم. هذا النوع من الاتصالات المملوكية كانت ستكفل له لاحقا عناية الأمير يشبك.

لم يكن جميع العوام الموهوبين محظوظين بما فيه الكفاية للفت انتباه المترفين النافذين، فقد كان محمد بن عمر[45] ابن خبّاز لكن شلله اليدوي حال دون تعلم حرفة والده. وبذلا من ذلك، التفت إلى التعلم في سن مبكرة واختار دراسة الفقه الشافعي[46]. وعلى غرار عليّ أصبح محمد بارعا جدا في مجاله، وأُذِن له بالإفتاء. ويذكر ابن حجر أن محمد ألّف كتبا كما أشاد بجودة أعماله. وعلى الرغم من هذه الكفاءات الواضحة، لا يبدو أن محمد قد عمل مدرسا أو قاضيا، وبالتالي، لم يحظ أبدا بوظائف سامية مهمة. وربما كان محمد أقل حظا أو لم يكن شخصا محبوبا مثل علي، وبالتالي لم يتمكن من نسج شبكة علاقات ضرورية للحصول على مناصب مهمة. ومن المحتمل أيضا أن يعود ذلك لشهرة محمد كمقلّد جيد حيث علّق عليه ابن حجر بقوله: “له القدرة على المحاكاة”. وهي من صفاته المميزة لأن ابن حجر يدرجها في الأسطر القليلة التي تشكل مدخل سيرته. قد يشكل تقليد الشخصيات إساءة شخصية ولعل ذلك ما أعاقه في التقدم في مساره المهني.

الثروة المكتسبة مصدر الشهرة

أحيانا يساهم تراكم الثروة عند العوام في منحهم مكانة وسط الأعيان. فعبد العزيز بن المنصور[47] ابن يهودي اعتنق الاسلام وامتهن في بداياته الخياطة التي ربما تعلمها من والده رغم أن ابن حجر لم يذكر مهنة الأب. وعلى الغالب كان زبائن عبد العزيز أثرياء وذلك لأن الخياطة جعلته على تواصل مستمر مع تجار الحرير. ووفقا لابن حجر فقد أدرك عبد العزيز أن أمامه فرصة سانحة لتحسين وضعه المادي إن هو انخرط في تجارة الحرير. ولذلك نراه قبل عرضا بالانضمام إلى قافلة تجارية متجهة من حلب إلى الصين[48]. وتكللت الرحلة بالنجاح، حيث عاد عبد العزيز بكمية كبيرة من الحرير شكلت لاحقا أساس ثروته. إن المخاطرة التي اتخذها عبد العزيز بالانضمام إلى القافلة التجارية أتت أكلها، وبدلا من أن يبقى خياطا فقيرا أضحى رجلا ثريا كما يتضح من قيمة المكس التي بلغت في سنة واحدة أربعين ألف دينار. كما ارتقى عبد العزيز إلى مستوى توقعات المجتمع من الأثرياء عن طريق التبرع بسخاء للعمل الخيري وإخراج الزكاة الواجبة وإقامة العديد من الأوقاف.

وحقق محمد بن مسالم[49] بدوره ثروة كبيرة من التجارة. ويعود نجاح محمد لوالده الذي اشتغل في البداية حمالا قبل أن ينجح في تكوين ثروة لا بأس بها، وصاهر أسرة تجارية ثرية. وترعرع محمد في ظروف وصفها ابن حجر بالمحترمة، كما فرض نفسه كتاجر ولم يبلغ سن الرشد بعد، ويبدو أنه استفاد من شبكة العلاقات الأسرية لوالدته. كان محمد ناجحا في تجارته وأصبح من أبرز تجار القرن. زاد كرمه من شهرته حتى حضي باحترام العلماء من خلال إنشاء مدرسة في الفسطاط. توفي محمد سنة 776م، وورث أبناء وحفدة الحمال المتواضع ثروة ضخمة.

ثلاثة من عوام الناس في مناصب الإدارة

لم تكن وظيفة المحتسب مستقرة لأنها ربما أججت السخط الشعبي بسهولة. وكان السلطان يعين المحتسب بغرض القيام بمهام مراقبة الأسواق والإشراف عليها. وفي فترات شح الطعام وارتفاع الأسعار، كان الناس يميلون عادة إلى لوم المحتسب على ما هم فيه من شقاء[50]. وغالبا ما كان المحتسبون فقهاء معتمدين، لكن برتبة أدنى من العلماء، وأحيانا، غير أنه جرت العادة أيضا على تعيين شخص من عوام الناس في هذا المنصب.

كان محمد بن صبيح[51] أحد المحتسبين المنتسبين لعوام الناس ويبدو أن تعيينه في هذا المنصب جاء بدفع من المماليك. بدأ محمد مشواره المهني مؤذّنا أوّل في مسجد من مساجد دمشق واشتهر بصوته الجميل. ولعل ذلك الأمر استرعى اهتمام نائب السلطنة وعيّنه نائبا عن الإمام. ويبدو أنه استطاع الاعتماد على هذه العلاقة، وهو ما يتضح من عمله لاحقا محتسبا في منطقة الصالحية بدمشق. ولا يقدم ابن حجر في مدخله المقتضب أي معلومات بخصوص مؤهلات محمد المحتسب ولكنه يفترض أن يكون كفئا نوعا ما، وذلك لأن ابن حجر لا يقرن اسمه بأي فضيحة.

أما ابن بائع مشروبات، محمد بن علي[52] فقد حصل على فرصة شراء منصب المحتسب. وتعلم محمد بن علي التجارة من والده، ويبدو أنه بلغ درجة من العلم مع أن ابن حجر لا يذكر ذلك، إلا أن تعيينه وكيلا في باب نائب الحكم المالكي[53] يوضح أنه اكتسب بالتأكيد بعض مهارات العلم الأساسية. ويشير ابن حجر إلى أن وظيفته جرّت عليه المتاعب وزُج به في السجن في النهاية. ولم يحدد ابن حجر طبيعة التهمة الموجهة إليه، إلا أن المقريزي يذكر أنه اتهم بالكفر وهُدّد بالقتل، إلا أنه نجا في نهاية المطاف من الموت وحكم عليه بالجلد والحبس[54].

وافتتح محمد، بعد إطلاق سراحه، متجرا خصصه لبيع السكر. ومن الواضح أنه كان تاجرا شاطرا بحكم أن تجارته ازدهرت، ولو أن ذلك لم يرض طموحه الشخصي. ويبدو أنه عقد العزم على الحصول على منصب عام في الإدارة، واستطاع في النهاية أن يشتري لنفسه منصبا في مكتب المحتسب سنة 808م/1405هـ. وعبّر المقريزي عن إنكاره شيوع ممارسة بيع المناصب[55]، وحتى وصفه لمحمد يعطي صورة غير طيبة له: كان غبيا وقليل الحياء[56]. ويقدم ابن حجر تعاليق سلبية شبيه عنه، حيث لم يكن محمد بالنسبة له وقحا فحسب، بل كان أيضا فظا غليظا قليل الحياء ولا يُؤلف، كما اختتم ابن حجر مدخله بالقول:” أراحنا الله منه في هذه السنة [823] “[57].

ربما كان محمد بن علي حقا شخصا سيئا، لكن من المحتمل أن تكون تعليقات كل من المقريزي وابن حجر مجحفة في وصف رجل من عامة الناس شغل منصبا إداريا مهما نسبيا، كان إلى حد كبير حكرا على فقهاء القانون. ومما يزيد الأمر سوءً تمكّن شخص من عامة الناس شراء المنصب، وهو أمر كان يتغاضى عنه المماليك ويمقته العلماء.

وتشبه شخصية محمد إلى حد ما شخصية خيالية من قصص ألف ليلة وليلة. ففي حكاية الأحدب، يظهر جزار بعين واحدة وقد نجح في تجارته نجاحا بارزا ثم انتقل إلى الاستثمار في العقار. إلا أن السلطات عرقلت نجاحه المالي وارتقاءه الاجتماعي عبر مصادرة ممتلكاته بناءً على اتهامات لا سند لها. كما أمر الملك لاحقا بضربه بحجة عدم تقبله لشخص بعين واحدة. وسرعان ما ألقي القبض مجددا عليه وجُلد لأن نذوبه السابقة تدل أنه مذنب بتهمة ما. ويتبين من مصير كل من الجزار المتخيّل ومحمد ابن علي الحقيقي مدى صعوبة الارتقاء اجتماعيا؛ فبالرغم من نجاح شخص ما في ارتقاء السُّلم الاجتماعي إلا أنه كان من السهل أيضا أن يعود أدراجه. وتوضح حالة محمد ابن علي أنه كان من الممكن فعلا بلوغ مكانة اجتماعية عالية، إلا أن النخبة العلمية لم تكن تنظر مطلقا إلى الأمر بإيجابية.

لقد تمكن أشخاص من عوام الناس من الوصول إلى مناصب إدارية مهمة بفضل علاقاتهم الشخصية بأفراد من النخبة المملوكية. ويعد راقص القاهرة، خالد بن الزراد[58]، مثالا على شخص استطاع استغلال تفضيل الأمير له للحصول على وظيفة. ولا يذكر ابن حجر في مدخله نسب والده ولا تجارته، بل يكتفي بلقبه العائلي، ابن الزرّاد، وهو اللقب ربما يحيل على مهنة الأب. وكان لخالد فرصة مواتية لربط اتصالات مع أمراء المماليك بصفته ابن زرّاد. وسرعان ما امتهن خالد الرقص وقدم عروضا بمنزل الوالي، في دار الولاية بالقاهرة. وانبهر به أمير سنجر والي القاهرة[59]، ورقّاه إلى منصب مقدم بيت الوالي. وبعد سنجر تولى أمير أخر رعايته هو ابن هلال الدولة، وحيث حقق خالد بفضل ذلك ترقية إضافية إلى مقدم الدولة. ويشير ابن حجر أن هذا الارتقاء ساهم في زيادة ثروة خالد وزيادة فساده، وسرعان ما اقترن اسمه بنخبة المماليك التي نهبت أموال الدولة. اعتقل خالد مع مختلسين أخرين في عام 735م، وحُكم عليه بدفع غرامة مالية كبيرة؛ غير أنه سرعان ما غادر السجن لوجود من يحميه. صحيح أن خالدا فقد منصب مقدم الدولة، إلا أنه استطاع استعادة شيء من وضعه السابق بعدما صار مشرف الوالي مجددا. كان هذا لقبه سنة 742م بعد تورطه في فضيحة أخرى. ويؤكد المقريزي أن سلوك خالد الجشع والقمعي دفع الحاكم إلى مصادرة أمواله؛ غير أنه نجح وبعد ثلاث سنوات، أي سنة 745م، في مساومة السلطان مقابل إعادة تعيينه مقدما للدولة. كان نجاحه قصير الأمد، إذ سرعان ما اعتقل بعد بضعة أشهر بتهمة القمع، وتعرض لعقوبة قاسية لدرجة أنه فقد حياته على إثرها [60].

ويشير ابن حجر إلى أن محمد بن علي محتسبا فظا ولا يُؤلف، ولكن لا يبدوا أن اعتقاله جاء بسبب قيامه بأي تجاوزات، أما خالد فقد عُوقب من أجل جرمي السرقة والقمع. ويؤكد استعداد خالد دفع غرامات فلكية يؤيد صحة تقييم ابن حجر الدقيق بخصوص فساده.

هو سيء السمعة وليس من الأعيان

لم يسجّل ابن حجر الأشخاص الذين جعلهم مسارهم أو ثروتهم أو مستواهم العلمي من النخبة فحسب، بل ضمّ أيضا أشخاصا اشتهروا بفضل بعض الأعمال غير المعتادة. ومن هؤلاء العوام نجد خياطا يدعى وضاح من حلب[61]. واشتهر وضاح سنة 753م، بعدما أغراه الشيطان وأعلن نفسه نبيا، حسبما يشير ابن حجر. وتعرض للسجن عدة أيام ودُعي إلى التوبة. وبالفعل تاب وعُفي عنه وخرج من السجن. ورغم أن هذه الواقعة لم تُحسن من وضع خالد الاجتماعي إلا أن سلوكه ذلك ضمن له شهرة خلّدته في مدخل من قاموس ابن حجر.

خلاصات

من المفترض أن العديد من العوام حققوا نجاحات متواضعة وربما حسنوا وضعهم الاجتماعي ضمن فئة العامة، إلا أنه لم يتم إدراج أي معلومات عنهم، حيث اكتفى ابن حجر بإدراج تاريخ الأشخاص الذين أكسبتهم سمعتهم أو شهرتهم أو ثروتهم مكانة محترمة. هذا الأمر لا يقدم لنا إلا رؤية جزئية عن وظائف العوام وفرصهم للارتقاء الاجتماعي في العهد المملوكي. ورغم أن الكتاب لا يعطي صورة كاملة، إلا أن العدد القليل من المداخل التي تصف العوام تشير بوضوح إلى صعوبة الحركية الاجتماعية، وإلى أن الارتقاء الاجتماعي مثّل الاستثناءً وليس القاعدة.

ويميل المؤرخون الاجتماعيون إلى النظر لطبقة العلماء بوصفها طريقا مفتوحا للنجاح الوظيفي، حيث تعتبر الكفاءات الفردية أكثر أهمية من النسب أو الثروة؛ غير أن نتائج البحث الذي قمت به على قاموس ابن حجر لا تدعم هذا الرأي أبدا. فنظريا كان الوسط العلمي مفتوحا على الجميع وكانت الكفاءات مهمة أيضا؛ إلا أن افتقار الشخص إلى شبكة علاقات مهمة جعل الحصول على المناصب المرموقة حلما بعيد المنال. صحيح أنه كان بإمكان ابن الخباز أن يشقّ طريقه في الدراسة مع علماء عصره المشهورين، لكن ذلك لم يكن ليؤمن له وحده تعيينا ساميا في منظومة المدرسة أو في القضاء.

ويُظهر قاموس ابن حجر أن معظم العوام المشهورين في الوسط العلمي هم من أهل الحديث. وكان بإمكان أي لشخص متعلم يتمتع بحافظة جيدة أن يحصل على وظيفة نافذة كمحدّث، وهو ما كان يتيح له الولوج إلى الأوساط العلمية، حيث إمكانيات الترقية الاجتماعية متوفرة. وكان الاحتكاك بالعلماء المشهورين يمثل بداية تشكيل شبكة علاقات لا غنى عنها لبناء المسار المهني. صحيح أن العلماء كانوا يتقدمون بتوصيات لصالح شخص موهوب بهدف تعيينه في منصب عدل، أو كانوا يطلبون من أحدهم نسخ بعض الكتب، أو كانوا يميلون إلى تفضيل إحدى محلات بيع الورق؛ غير أن التسجيلات أظهرت أن ثلاثة أجيال لم تكن كافية لجعل أسرة علمية في مصاف الأسر العلمية المعترف بها.

لم يكن عدد العوام الذين انظموا للأوساط العلمية كبيرا جدا، إلا أن سجلات ابن حجر تقدم بعض الأمثلة القليلة التي تعكس ارتقاءً ملحوظا في جيل واحد، حيث كان بوسع ابن النجار أن يتعلم النجارة أولا، ثم بعد ذلك يتجه صوب طلب العلم؛ ثم يرتقي بعد ذلك إلى منصب نائب القاضي. ويبدوا أن منصب القاضي أو نائب القاضي كان أسمى المناصب في القضاء التي بلغها العوام. ويشير ابن حجر إلى أن اثنين من الحرفيين عينوا في منصب نائب القاضي، في حين أن القاضي الوحيد من العوام كان سليل عائلة علمية شرقية فرت إلى سوريا. وتشير لائحة المناصب التي شغلها العلماء والواردة في دراسة كارل بيتري (Carl Petry) عن علماء القاهرة إلى نفس التوجه. ومن المرجح أن يكون نائب القاضي قد اشتغل حرفيا أكثر من القاضي. واللافت للنظر أن منصب قاضي القضاة، وهو أعلى منصب قضائي، لم يشغل أي وظيفة مرتبطة بفئة الحرفيين على الاطلاق[62].

ويبدو أيضا أن الانتقال من المهن الحرفية البسيطة إلى دائرة التجار الأثرياء كان هو الآخر أمرا نادرا، إذ يذكر ابن حجر حالة واحدة تمكن فيها حرفي من تكوين ثروة ضخمة من التجارة، وحالة أخرى اقترن فيها بداية تراكم الثروة بزواج حكيم ضمن للجيل التالي أسبقية اقتصادية. ربما استطاع عدد كبير من العوام أن يصبحوا أثرياء بفضل التجارة، لكن ثرواتهم لم تصل إلى مستوى الثراء الفاحش الذي يستحق إدراجه في قاموس ابن حجر.

لقد تمكن بعض العوام من الحصول على مناصب إدارية مهمة بفضل علاقاتهم الشخصية بأفراد من نخبة المماليك. ويُعتبر راقص القاهرة مثال فرد من العوام استطاع استخدام وضعه المقرب للأمير للحصول على وظيفة. وكانت مهنة الراقص حدثا منفردا أثار بوضوح اهتمام المؤرخين ومدوني السير ممن أدرجوه في كتبهم.

ومن الممكن أن نخلص إلى أن المداخل البيوغرافية في قاموس ابن حجر توثق لمجتمع مثّل فيه النسب وشبكة العلاقات عناصر أساسية من عناصر الارتقاء الاجتماعي. ومع أن الكفاءات الشخصية لعبت دورا مهما من دون شك، إلا أنها لم تضمن الارتقاء الاجتماعي المرجو.

[1]Irmeli Perho, “Climbing the Ladder: Social Mobility in the Mamluk Period,” Mamlūk Studies Review 15 (2011)

[2] Michael Chamberlain, Knowledge and Social Practice in Medieval Damascus, 1190–1350 (Ca – bridge, 1994), 64:

“كان توظيف النخبة المتعلمة منفتحا نسبيا ، وتحرك الأفراد. . . كان سريعا”.

Ira Lapidus, Muslim Cities in the Later Middle Ages (Cambridge, MA, 1967), 107–10

يصف فئة العلماء منفتحون على أي شخص يكرس نفسه للتعلم .

[3] Ulrich Haarmann, “Arabic in Speech, Turkish in Lineage: Mamluks and their Sons in the Intellectual Life of Fourteenth-Century Egypt and Syria,” Journal of Semitic Studies 33 (1988): 81–114; see also, “Ideology and History, Identity and Alterity: The Arab Image of the Turk from the ʿAbbasid to Modern Egypt,” International Journal of Middle East Studies 20 (1988): 175–96.

[4] ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. (بيروت: الشيخ عبد الوارث محمد علي، 1997).

راجع أيضا: ذيل الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. (بيروت: الشيخ أحمد فريد المزيدي، 1998).

[5] ابن حجر، الدرر، 4: 158.

[6] المرجع نفسه، 1: 35، رقم 129.

[7] المرجع نفسه، 1: 35، رقم 5244.

[8] ابن حجر، الذيل، 212، رقم 538.

[9] Ira Lapidus, Muslim Cities, 80–85.

[10] تحتوي مجلدات الدرر الأربعة على 5323 مدخلا، ويحتوي الذيل على 639 مدخلا.

[11] Irmeli Perho, “The Arabian Nights as a Source for Daily Life in the Mamluk Period”. Studia Or – entalia 85 (1999): 139–62.

[12] . Khalid Alavi, “Concept of Arbaʿīn,” Islamic Studies 22, no. 3 (1983): 75–78.

[13] ابن حجر، الدرر، 2:18-1-، رقم: 1546: حسن ابن عيسى ابن خليل ابن إبراهيم الكردي أبو علي، توفي م720/هـ 1320.

[14] وفقا لخليل ابن أيبك الصفدي، كتاب الوافي بالوفيات، المجلد 12. (فيسبادن: رمضان عبد الثواب، 1979)، 195، اصطحب الوالد ابنه لسماع ابن اللطي عندما كان في سن الرابعة.

[15] ولد حسن بن عمر عام 629 م أو 630 م. ذُكر تاريخ ازدياد مكرم بن محمد ( ثاني رجب 1238هـ/ 635 م) في سير الأعلام النبلاء لشمس الدين محمد الذهبي. (بيروت:  بشار عوض معروف ومحيي هلال السرحان، 1998)، ص. 23-38، مدخل 85.

[16] Asma Sayeed, “Women and Hadith Transmission: Two Case Studies from Mamluk Damascus,” Studia Islamica 95 (2002): 88.

تذكر أسماء السيد أن العلماء مثل الخطيب البغدادي (توفي 463م/ 1070هـ) وابن صلاح الشهرزوري (توفي 643م/ 1245هـ) اعتبروا هذه الممارسة مقبولة.

[17]  ابن حجر، الدرر، 2: 18.

[18] According to A. J. Wensinck, “Kunya,” The Encyclopaedia of Islam, 2nd ed., 5:396.

يمكن للوالدين منح الكنية للطفل وذلك قد لايعكس بالضرورة الواقع.

Richard W. Bulliet, The Patricians of Nishapur: A Study in Medieval Islamic Social History (Cambridge, MA, 1972), 87.

(لاحظ أن اللحن و الروابط التاريخية كثيرا ما تحكم اختيار الكنية)

[19] ابن حجر، الدرر، 1: ص. 38-39، رقم 149: إبراهيم ابن محمد ابن أحمد ابن محمد الوعني الخلاتي الحمداني برهان الدين الدمشقي. لم يذكر تاريخ الوفاة، إلا في مدخل الابن (نفس المرجع، 3:178)، عام 735م./ 1334م هو تاريخ وفاة كل من الأب والابن.

[20] برهان الدين ابن داوود الشامي، توفي عام 797م/ 1395هـ؛ سيرته في نفس المرجع، 1:22، مدخل رقم 61.

[21] نفس المصدر، 3: ص. 178-179، مدخل رقم 3416: محمد ابن إبراهيم ابن محمد ابن أحمد الوعني أمين الدين ثم الدمشقي الحنفي المحي الدين أبو عبد الله، توفي عام 735م/ 1334هـ.

[22]تقي الدين أحمد المقرزي. كتاب السلوك في معرفة دول المملوك. (القاهرة : محمد مصطفى زياد، 1942)، 2: 388.

[23] ابن حجر، الدرر، 2: 172، مدخل رقم 2197: عبد الله ابن محمد ابن ابراهيم ابن محمد الوعني شرف الدين أبو محمد الحنفي، توفي في القرن الثامن بدون ذكر تاريخ محدد.

[24] يشير ابن حجر، المرجع نفسه، إلى عبد الله “عمل أربعين بلدانيه”، الذي يؤكد أنه نسخ الكتب. ابن حجر لا يشير بوضوح إلى أنه اتخذ النسخ مهنة له.

[25] محمد السخاوي. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. (القاهرة: د. ت.)

[26] بنو جماعة، أسرة علمية مرموقة، شغلت منصب شفيع قاضي القضاة في مصر لأكثر من نصف قرن. راجع:

Kamal S. Salibi, “The Banū Jamāʿa: A Dynasty of Shāfiʿite Jurists in the Mamluk Period.”  Studia Islamica 9 (1958): 98.

[27] ابن حجر، الذيل، ص. 96-97، مدخل رقم 214: محمد ابن سلمان ابن عبد الله الحموي ثم الحلبي شمس الدين الخراط، توفي عام 806 م/1403هـ.

[28] نفس المرجع، ص. 129، مدخل رقم 298: سيرة ابن سلمان. يشير ابن حجر إلى مصاهرته لجمال الدين يوسف، عكس السخاوي في الضوء اللامع، 6، مدخل رقم 255.

[29] السخاوي، الضوء اللامع،7: مدخل رقم 255.

[30] المرجع نفسه، 4:130 مدخل رقم 343؛ اسم الجد الأكبر هو أبو الفضل زين الدين عبد الله ولكن في المرجع نفسه 9: 83، مدخل رقم 234 ذكر شمس الدين عبد الله.

[31] من المهم الإشارة إلى أن المصدر السابق لابن حجر لا يذكر الجانب العلمي لمحمد بن سلمان، ولكن السخاوي يشير إليه في الضوء اللامع. من المحتمل أن شجرة العائلة زادت للخلف لاحقا فقط وأن زواج محمد اعتمد على علاقته الخاصة بجمال الدين يوسف.

[32] ابن التغري بردي. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. (القاهرة: فهيم محمد شلطوط واخرون، 1963-1972)، 14: 296. يشير إلى عبد الرحمن ب”مُوقّع الدست”.

Maya Schatzmiller, Labour in the Medieval Islamic World (Leiden, 1994), 155. ترجمت الكاتب مُوقّع الدست ب”كاتب في الديوان الملكي لقصر العدل”.

[33] ابن التغري بردي. النجوم، 15: 205-6.

[34] السخاوي. الضوء اللامع، 9: 138.

[35] السخاوي. المرجع نفسه، 9: 83-84، مدخل رقم 234.

[36] سيرة ناصر الدين محمد ابن الباريزي في كتاب السخاوي، الضوء اللامع، 9: 137-38، رقم 350. تمت الإشارة إلى صداقته مع أمير الشيخ في كتاب النجوم لابن التغري بردي، 13:80 وفي كتاب السخاوي، الضوء اللامع، 9: 137-39، يذكر أن ابن الباريزي أتى إلى القاهرة رفقة أمير الشيخ في 815م.

[37] السخاوي. الضوء اللامع، 9: 83-34.

[38] المرجع نفسه، 4: 130، رقم 343. يشير السخاوي أن عبد الرحمن دخل ديوان الإنشاء في “عصر نصر الدين ابن الباريزي.”

[39] المرجع نفسه، 4: 183، مدخل رقم 4810: محمد ابن يوسف عبد الله الجزري.

[40] المرجع نفسه، 4: 240، مدخل رقم 5056.

[41] ابن حجر، الذيل، 62، رقم 161: علي بن محمد ابن عباس ابن فتيان البعلي ثم الدمشقي الحنبلي علاء الجين ابن اللحام، توفي عام 803م/ 1401هـ.

[42] خير الدين الزركلي، الأعلام. (بيروت، 1995)، 5: 7.

[43] وفقا لابن حجر، الذيل، 62، توفي في عيد الأضحى، بينما يقول للمقرزي، السلوك، 3: 1072 ،  أنه توفي قبل شهرين في عيد الفطر.

[44] وفقا للمقرزي، المرجع نفسه، 1059، يشير لوصوله إلى القاهرة :”إلى عند الأمير يشبك الدوادار”. الأمير كان يشبك الشعباني والذي كان لعلع السلطان فرج.

[45] ابن حجر، الدرر، 4:72، مدخل رقم 4293: محمد ابن عمر ابن محمد ابن الخباز الدمشقي، توفي 752م/ 1352 هـ.

[46] لا يذكر ابن حجر بالضبط دراسة القانون، ولكن محمد درس مع فقهاء الشافعية محمد ابن علي كمال الدين الزملكاني (توفي 727م/ 1327هـ) وعبد الوهاب ابن محمد ابن قاضي شهبه (توفي 727م/ 1326هـ).

[47] ابن حجر، الدرر، 2: 233، مدخل رقم 2452: عبد العزيز ابن منصور الكريمي عز الدين، توفي عام 713م/1313-14هـ.

[48] ذكر الهدف من الرحلة إلى” بلاد الخطا  في كتاب لبوسورت (C. E. Bosworth-“Ḳarā Khiṭāy,” EI2 4:581,). بلاد الخطا “بكسر الخاء المعجم وطاء مهمل” في المصادر الاسلامية للإشارة إلى شمال الصين.

[49] ابن حجر، الدرر،4″ 158، مدخل رقم 4692: محمد ابن مسالم ابن أحمد الباليس، توفي عام 776م/1374-75هـ.

[50] حول العلاقة بين المحتسبين والسكان، راجع:

Irmeli Perho, “Al-Maqrīzī and Ibn Taghrībirdī as Historians of Contemporary Events”. The Historiography of Islamic Egypt (c. 950–1800), ed. Hugh Kennedy (Leiden, 2001), 110–14.

[51] ابن حجر، الدرر، 3: 278، مدخل رقم: 3864: محمد ابن صبيح ابن عبد الله التفلسي الدمشقي، توفي عام 725م/1325هـ.

[52] ابن حجر، الذيل، 211-12، مدخل رقم: 538: محمد ابن علي الحبري الشرابي، توفي عام 823م/ 1420هـ.

[53] يشير المقرزي، السلوك، 4: 543، أن محمد كان نائب القاضي. ومن بين أنسابه الشرابي، الذي يحيل على مهنة أبيه كتاجر مشروبات. نسبه الأخر هو الحبري، الذي قد يشير إلى حرفة النسخ.

Maya Schatzmiller, Labour in the Medieval Islamic World (Leiden, 1994):

تترجم “وكيل بأبواب القضاة” ب “وكيل بالمحكمة”، ص.168.

[54] المقرزي، السلوك، 4: 543، وقع الحادث عام 796م.

[55] المرجع نفسه، 4 :11.

[56] المرجع نفسه، 4: 543.

[57] ابن حجر، الذيل، 212، ” أراحنا الله منه في هذه السنة”.

[58] ابن حجر، الدرر، 2: 47، مدخل رقم: 1643: خالد ابن الزراد المقدم، توفي عام 745م/1344هـ.

[59] يذكر ابن حجر فقط اسم سنجر، ولكنه يفترض أن يكون علم الدين ابن عبد الله الخزان (توفي عام 735م/1335هـ). أما ابن التغري بردي، النجوم، 9: 67-68، فهو يقدم سنجر كوالي في 721م، وقد احتفظ سنجر بهذا المنصب حتى وفاته (أنظر سجل الوفيات، نفس المرجع، 9:305).

[60] المقرزي، السلوك، 2:370، 381-82، 565، 664، 670. ابن حجر، الدرر، 2: 47.

[61] ابن حجر، الدرر، 4: 251، مدحل رقم 5102: وضاح الخياط الحلبي.

[62] Carl Petry, The Civilian Elite of Cairo in the Later Middle Ages (Princeton 1981), 362–67, list of Category IV :

عدد الحرفيين ضمن فئة “نائب القاضي” هو 57، ضمن فئة “قاضي” هو 32 وضمن فئة “قاضي القضاة” هو صفر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.