الساعة غير القانونية.. جدل إزالة الساعة الإضافية في المغرب يتجدد مع اقتراب العودة إلى التوقيت الصيفي

الساعة غير القانونية.. جدل إزالة الساعة الإضافية في المغرب يتجدد مع اقتراب العودة إلى التوقيت الصيفي

في مشهد يتكرر سنوياً مع اقتراب نهاية شهر رمضان، يعود الجدل حول “الساعة القانونية” في المغرب إلى الواجهة بقوة، لكن هذه المرة بحدة غير مسبوقة. فبينما تستعد وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة لإضافة ستين دقيقة إلى التوقيت الرسمي ابتداءً من الساعة الثانية صباح يوم الأحد 22 مارس 2026 ، يرفع مغاربة كثر صوتهم متسائلين: إذا كانت العودة إلى توقيت غرينتش خلال رمضان تُسمى “الرجوع إلى الساعة القانونية”، فما صفة الساعة التي نعيشها طيلة 11 شهراً من السنة؟

هذا التناقض الصارخ في التسميات الرسمية نفسها فتح الباب أمام موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يصف نشطاء الساعة المعتمدة طوال العام بـ “الساعة غير القانونية” أو “ساعة الاستعمار”، مطالبين بإلغائها بشكل نهائي والعودة الدائمة إلى توقيت غرينيتش (GMT+0) .

إحدى عشر شهراً من “اللاقانونية”.. وشهر واحد من الشرعية

اللافت في الأمر أن البلاغات الرسمية للحكومة المغربية تصف التوقيت المعتمد خلال رمضان بأنه “الساعة القانونية للمملكة (توقيت غرينيتش)” ، وهو ما يعني ضمناً -كما لاحظ العديد من المغاربة- أن الساعة المطبقة طيلة 11 شهراً هي ساعة “غير قانونية” . وهو ما طالبت به الدكتورة إيمان مخلوفي عبر صفحتها على إنستغرام، وهو الأمر الذي لاقى تفاعلا إيجابيا منقطع النظير، بمليوني ونصف مشاهدة في 12 ساعة فقط، مما يدل على حجم التأثير على فئات عريضة من المواطنين المغاربة. كما طالبت بنشر الهاشتاغ عبر الصفحات #لا_للساعة_الإضافية حتى تلقى المبادرة أكبر حجم من الانتشار.

أحد المتابعين وثق هذه المفارقة بتعليق لاذع على صفحة القناة الثانية الرسمية، حيث كتب: “ملي كاتنقصو ساعة، كاتقولو الرجوع للساعة القانونية، وملي كاتزيدوها كاتقولو الرجوع للساعة القانونية! بغينا نعرفو شكون هي القانونية فيهم؟” . هذا التساؤل يعكس حالة من الارتباك والسخرية التي تنتاب المواطنين مع كل تعديل موسمي.

تعليقات القراء على المواقع الإخبارية تعكس هذا الشعور بوضوح. أحدهم كتب: “يعترفون أنها الساعة المضافة هي غير قانونية” ، بينما علق آخر: “المغرب عالم والله. 11 شهر ديال الساعة لا قانونية وشهر واحد ديال الساعة القانونية” .

آثار صحية خطيرة.. القلب هو الضحية الأولى

لا يقتصر الجدل حول الساعة الإضافية على الجانب المفاهيمي أو القانوني، بل يمتد إلى تداعيات صحية مثبتة علمياً. الدكتور الطيب حمضي، طبيب باحث في السياسات والنظم الصحية، يؤكد أن “أي تغيير في التوقيت، سواء بالزيادة أو النقصان، يؤثر سلباً على الصحة العامة والساعة البيولوجية للإنسان” .

لكن الأخطر هو ما كشفه حمضي من أرقام صادمة: “الانتقال إلى التوقيت الصيفي يرتفع معه خطر نوبات احتشاء عضلة القلب بنسبة 25% في الأيام التالية للتغيير. كما تسجل الدراسات زيادة بنسبة 22% في حالات الاستشفاء بسبب عدم انتظام ضربات القلب نتيجة فقدان ساعة نوم” .

هذه المعطيات تجعل من مسألة تغيير الساعة قضية صحية عامة، وليس مجرد تعديل إداري بسيط. فالاضطرابات الحادة في النوم واليقظة، وفق الخبير ذاته، “ترفع مخاطر النعاس أثناء العمل أو القيادة وفقدان التركيز، وتؤدي إلى الأرق ومشاكل الشهية واضطرابات المزاج والعصبية، وقد تصل إلى احتمال حدوث أخطاء مهنية وطبية، وحوادث سير مأساوية” .

أطفال في الظلام.. الفئات الهشة تدفع الثمن

بعيداً عن الأرقام والإحصائيات، ثمة معاناة يومية يعيشها ملايين المغاربة، خصوصاً الفئات الهشة. أحد المواطنين عبر عن هذه المعاناة بتعليق مؤثر: “المسؤولين لا يحسون بالمواطن. عندهم سيارة الدولة للنقل، وأخرى لنقل أطفالهم. لا يعيشون ما نعيشه نحن: الخروج للعمل أو الدراسة قبل الفجر، والمرور من الأزقة المضلمة في أحيائنا الشعبية، حيث الشماكرية ومخلفات الليالي البيضاء والكلاب الضالة” .

المشكلة تتفاقم في المناطق القروية والجبلية، حيث يضطر التلاميذ إلى قطع مسافات طويلة في ظلام دامس للوصول إلى مدارسهم. عبد الواحد زيات، رئيس الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، حذر من “خطورة إهمال الخصوصيات المجالية، خاصة في المناطق القروية التي تعاني من ظروف طقس صعبة وغياب الطرق المعبدة، ما يعرض الأطفال للمخاطر في الظلام” .

أحد المعلقين وصف حال أطفاله قائلاً: “الوليدات الصغار فايقين قبل الفجر باش يمشيو للمدرسة قبل ما تفيق عوا وموكا وبلارج والدجاج. حرام عليكم راعيو هاد الوليدات” .

تحركات مدنية وحملات منظمة

لم تعد الاحتجاجات على الساعة الإضافية مجرد تعليقات فردية على مواقع التواصل، بل تطورت إلى حملات منظمة تطالب بفتح نقاش عمومي حول جدوى هذا الإجراء. وفق ما أوردته هسبريس، أطلق نشطاء حملة وطنية لإلغاء الساعة الإضافية، تأمل “فتح نقاش عمومي جاد حول جدوى استمرار التوقيت الإضافي، وتسليط الضوء على الآثار السلبية للساعة الإضافية على الصحة العامة، والنمو الطبيعي للأطفال، وجودة الحياة” .

عبد الواحد زيات انتقد “غياب الشجاعة السياسية للحكومة لفتح نقاش جاد حول ‘الساعة الإجبارية’ التي فُرضت طوال السنة”، مشيراً إلى أن “التوقيت الصيفي كان مقبولاً سابقاً في إطار الحفاظ على الطاقة ودعم القطاع السياحي، لكن تحويله إلى قرار دائم يثير الكثير من الجدل” .

واعتبر أن المغرب بات البلد الوحيد الذي يقر هذه الساعة بشكل “ديكتاتوري” على مدار السنة، متجاهلاً الأصوات المنددة بهذا القرار “المشؤوم” .

مبررات اقتصادية.. واقتناع شعبي معدوم

الحكومة من جانبها تبرر استمرار العمل بالتوقيت الصيفي (GMT+1) طوال السنة بمبررات اقتصادية، أبرزها توفير استهلاك الطاقة الكهربائية عبر استغلال أكبر لضوء النهار، ومواءمة التعاملات مع الشركاء الأوروبيين .

لكن هذه المبررات لا تقنع المواطنين، الذين يرون أن التوفير في الطاقة -إن وجد- لا يعوض الأضرار الصحية والاجتماعية والنفسية التي يتسبب فيها هذا النظام. أحد القراء علق بسخرية: “الدولة ديالنا مزال مستعمرة ومتبعة فرنسا وأوروبا في كولشي. واش حنا ساعتنا هي هاديك أصلاً؟ نوضو زيدو ساعة حيت فرنسا زادتها. الله يعفو علينا من هاد التبعية وعقلية الاقتداء بالغالب” .

بل إن البعض ذهب إلى اتهام شركات فرنسية بالضغط لفرض هذا التوقيت. أحد المعلقين كتب: “من العار أن تتدخل شركة فرنسية وتفرض الساعة الإضافية على 40 مليون مغربي. إلى متى هذا الانبطاح؟” .

مفارقة التسمية: القانونية تتغير مرتين

الطريف أن القناة الثانية الرسمية (2M) نشرت على صفحتها بفيسبوك إعلاناً عن العودة إلى “الساعة القانونية” بعد رمضان عبر إضافة ستين دقيقة . هذا يعني، وفق تعليقات المواطنين، أن “الساعة القانونية” تتغير مرتين في السنة: مرة في رمضان تصبح GMT، ومرة بعده تصبح GMT+1! فهل يعقل أن تكون “القانونية” بهذه المرونة؟

أحد المواطنين عبر عن استغرابه قائلاً: “قبل رمضان قلتو الرجوع للساعة القانونية gmt، ودابا الرجوع للساعة القانونية gmt+1. بغينا نعرفو شكون هي القانونية فيهم؟” .

هذا الارتباك في المصطلحات يعكس غياب رؤية واضحة ومستقرة لسياسة التوقيت في المغرب، ويغذي الشعور بأن المواطن هو الضحية الأكبر لهذا “العبث” كما وصفه البعض.

دعوات للعودة الدائمة إلى توقيت غرينتش

وسط هذا الجدل المحتدم، تتصاعد الدعوات المطالبة باعتماد توقيت غرينيتش (GMT+0) بشكل دائم طوال السنة. إحدى التعليقات عبّرت عن هذا المطلب بوضوح: “حان الوقت لتعيد الحكومة النظر في تغيير توقيت غرينتش الذي اعتاد عليه المغاربة. المبررات التي قدمتها الحكومة سابقاً ليست مبررات تستدعي التضحية بصحة المواطنين وجودة حياتهم. الأغلبية الساحقة من المغاربة ضد زيادة ساعة على GMT. إذن، على الحكومة أن تبقي العمل بتوقيت GMT طول السنة” .

آخر دعا الأحزاب السياسية إلى تبني هذا المطلب: “شي حزب من هاد الأحزاب المتعنتة يسمع لهاد الشعب فهاد الانتخابات ويرجع لينا الساعة البيولوجية العادية الحقيقية لي كبرنا بها. المغاربة كلهم يكونوا راضيين على هاد الحزب لي غادي يحس بنا” .

حوار طرشان بين الحكومة والشعب

بينما يستعد المغرب لإضافة ساعة إلى توقيته الرسمي يوم 22 مارس 2026 ، يبدو أن المواطن المغلي يعيش حالة من الإحباط والغضب المتراكمين. الحكومة مستمرة في سياسة “فرض الأمر الواقع” دون فتح نقاش جاد، بينما يزداد الشعب قناعة بأن هذه الساعة “المشؤومة” -كما يسميها الكثيرون- لم تعد تحقق أي مبرر اقتصادي يذكر، وأن أضرارها الصحية والاجتماعية فاقت أي فوائد محتملة.

الغريب أن الطرفين يتفقان على تسمية توقيت رمضان بـ”الساعة القانونية”، لكنهما يختلفان حول بقية أيام السنة. وبينما يستمر هذا “العبث” -كما وصفه ناشطون- يبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل صحة المواطن وحياته اليومية رهينة بقرار إداري يرفض المسؤولون حتى مناقشته؟

الأيام المقبلة كفيلة بكشف ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذه المطالب الشعبية المتزايدة، أم أن المغاربة سيواصلون العيش 11 شهراً في السنة بتوقيت “غير قانوني”!

Leave a Reply

Your email address will not be published.