إنه مشهد متناقض يتكرر كل عام. من جهة، تحتضن الرباط الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب (SIEL) من 1 إلى 10 ماي 2026، بمشاركة 890 عارضاً من 60 بلداً وأكثر من 200 فعالية ثقافية؛ ومن جهة أخرى، تظل مؤشرات القراءة في المغرب من بين الأدنى عالمياً، حيث يحتل المغرب المرتبة 92 من أصل 102 دولة، بمتوسط 67 ساعة قراءة سنوياً للفرد، أي ما يعادل نحو 2.97 كتاباً فقط في السنة، وفق مؤشر CEOWORLD لعام 2024.
هذه المفارقة بين الاحتفاء بالكتاب في المعرض وتراجع القراءة في المجتمع تطرح تساؤلات عميقة حول فعالية السياسات الثقافية والتعليمية في المغرب. فالمعرض، الذي يُعتبر ثالث أكبر معرض للكتب في إفريقيا، يشهد إقبالاً جماهيرياً متزايداً؛ لكن هذا الحضور الكثيف لا يترجم إلى زيادة في معدلات القراءة المنتظمة، مما يؤكد أن الصلة بالكتاب ما تزال قائمة، لكنها تحتاج إلى بيئة أكثر دعماً وإتساعاً وتجاوزاً للطابع الموسمي للمعرض.
إحصائيات صادمة: المغرب في مؤخرة الدول عربياً
كشف تصنيف حديث صادر عن موقع World Population Review لعام 2024 أن مصر تتصدر الدول العربية في معدل القراءة بمتوسط 5.4 كتب سنوياً للفرد، تليها سوريا (3.57)، ثم لبنان (3.46)، ثم البحرين (3.44)، فالأردن (3.43). وجاءت عُمان سادسة (3.13)، والكويت سابعة (3.08)، ثم المغرب ثامناً بمتوسط 2.97 كتاباً فقط للفرد، متقدماً بفارق طفيف على الجزائر (2.83) والعراق (2.77) والإمارات (2.71) والسعودية (2.69). هذا الترتيب يطرح تساؤلات حول نجاعة السياسات العمومية في دعم فعل القراءة، ومدى تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية في تكريس العزوف عن الكتب.
اللافت أن دولة مثل المغرب، التي تمتلك بنية ثقافية متنامية ومعارض دولية ونشراً واعداً، لا تزال تتذيل الترتيب. فالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية كشفت أن إجمالي العناوين الصادرة خلال عام 2025 بلغ 7,143 عنواناً في ارتفاع طفيف بنحو 6% عن السنة السابقة، مما يؤكد أن الإنتاج المعرفي موجود، لكنه لا يجد قارئه. وبحسب مؤشرات “حصيلة النشر والكتاب لسنة 2025″، حافظت اللغة العربية على موقع الصدارة بنحو 65% من مجموع الإصدارات، يليها الفرنسية، ثم الأمازيغية. لكن هذا الإنتاج لا يكفي لتعويض غياب ثقافة القراءة المستدامة.

أزمة القراءة تبدأ من المدرسة
تعود جذور أزمة القراءة في المغرب إلى ضعف التنشئة القرائية منذ الصغر. فنتائج المغرب في البرنامج الدولي لتقييم المتعلمين (PISA 2022) كانت صادمة: سجل الطلاب المغاربة 339 نقطة في القراءة، بتراجع قدره 20 نقطة عن دورة 2018 التي حصلوا فيها على 359 نقطة، ليحل المغرب في المرتبة 79 عالمياً في هذا المجال. وعلّق المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على هذه النتائج مؤكداً “الحاجة الملحة والمستعجلة لتعزيز تضافر جهود كل الأطراف المعنية للنهوض بالمدرسة المغربية”. وقد دفع هذا التراجع وزارة التربية الوطنية إلى اعتماد مشروع “مؤسسات الريادة” انطلاقاً من الموسم الدراسي الماضي، ضماناً لجودة التعليم وتطوير مهارات المتعلمين وعلى رأسها القراءة.
لكن المشكلة ليست في المناهج فقط، بل في البنية المدرسية نفسها. رشيدة رقي، رئيسة شبكة القراءة في المغرب، أوضحت أن “اكتساب عادة القراءة من الصغر في المدارس لا تكون بطريقة جيدة، بسبب تردّي المدرسة العمومية وتهميش مكتبة المدرسة، إلى جانب غياب الاستئناس بالقراءة”. وأضافت أن المكتبة المدرسية “سائرة في الاضمحلال” باعتراف وزارة التربية الوطنية نفسها، حيث يتحايل مديرو المؤسسات التعليمية أحياناً لتحويلها إلى قاعات للدروس أو المدرسين، وهي رسالة غير مباشرة يفهم منها التلاميذ أن القراءة والكتب لا أهمية لها.
في الوقت نفسه، تظهر المعطيات الرسمية أن المغرب لا يتوفر إلا على 0.46 مكتبة لكل 50 ألف نسمة، بينما توصي معايير اليونسكو بتوفير مكتبة عمومية لكل تجمع سكاني يزيد عن 15 ألف نسمة. هذا النقص في البنى التحتية الثقافية هو أحد العوائق الكبيرة أمام تحويل القراءة من ممارسة موسمية في المعرض إلى عادة يومية راسخة.
مبادرة دولاتية واعدة
رغم هذه المؤشرات القاتمة، هناك بوادر أمل. فبعد أربع سنوات من إطلاق المشروع الوطني للقراءة، أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، في 20 مارس 2026، أن الجائزة الوطنية للقراءة سجلت مشاركة 3 ملايين و576 تلميذاً للموسم الدراسي الحالي، بزيادة تتجاوز 200% عن الموسم الماضي الذي بلغت فيه المشاركة 1.7 مليون تلميذ. وأشار الوزير، في معرض رده على سؤال كتابي بمجلس النواب، إلى أن هذه القفزة النوعية تعكس وعياً متزايداً بأهمية القراءة لدى الأسر المغربية. كما تهدف الوزارة إلى تعزيز العرض المرجعي الرقمي عبر إحداث منصة رقمية للمكتبات، والتوسع في مشروع “مليون كتاب” للأطفال، وتطوير برامج القراءة الموجهة لفائدة الأطفال في وضعية صعبة.
هذه المبادرات، التي تأتي في سياق احتفالية الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026، قد تكون بداية حقيقية لتحويل القراءة من زينة موسمية في المعرض إلى حق يومي في المعرفة. لكن النجاح يظل رهيناً بتكاتف جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني. فجائحة الأمية والضعف القرائي ليست قدراً، لكن مقاومتها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تتجاوز البلاغات الرسمية إلى إصلاحات هيكلية في مناهج التعليم وبنية المكتبات العمومية والمدرسية.
بين الاحتفاء المؤسساتي والواقع الميداني
يظل معرض الرباط الدولي للكتاب فرصة سنوية ثمينة للاحتفاء بالكتاب والكتّاب والناشرين. لكنه وحده لا يصنع مجتمعاً قارئاً. التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الاحتفالية المؤقتة إلى سياسة وطنية متكاملة للقراءة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى الإعلام والمكتبات العمومية والمبادرات المجتمعية. فالمغرب، الذي اختارته منظمة اليونسكو عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إثبات أن هذه المكانة ليست مجرد وسام شرف، بل التزام بجعل الكتاب حاضراً في حياة كل مواطن.
المصادر والمراجع:
1/ الموقع الرسمي للمعرض الدولي للنشر والكتاب (SIEL): siel.ma
2/ وزارة الشباب والثقافة والتواصل – إطلاق “الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026”: mjcc.gov.ma/ar/الرباط-عاصمة-عالمية-للكتاب-2026
3/ منظمة اليونسكو – إعلان الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026: unesco.org/en/articles/unesco-names-rabat-world-book-capital-2026
4/ “ثورة القراءة المغربية” – موقع “العلم”: al3omk.com/1154027.html
5/ “ضعف معدلات القراءة في المغرب” – موقع “شفاف”: chafaf.ma
6/ نتائج PISA 2022 – منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)
7/ المكتبة الوطنية للمملكة المغربية – حصيلة النشر والكتاب 2025: mapnews.ma
8/ “معرض الكتاب: حين يحتفل المغرب بالكتاب وينسى سياسة القراءة” – هسبريس: hespress.com
9/ World Population Review – تصنيف القراءة بالدول العربية 2024
10/ معطيات وزارة التربية الوطنية – مشروع “مؤسسات الريادة”
11/ تصريحات رشيدة رقي، رئيسة شبكة القراءة في المغرب، لـ”القدس العربي”

Leave a Reply