افتتاحية الثعلب (29)

تداخل العوالم

تداخل العوالم

في غمرة تحوالي وتجوالي المعتاد في براح الغاب، صدرت نفسي أمام بوابة غير مرئية تفصل عالمينا، عالم البشر، وعالم الشجر والحجر والحيوان، حينها تسائلت بخفة مستظرفة كأني أناغي عقلي بالأفكار، وأداعب مشاعري بالتفكر، مثل حركة حك الوبر بقوائمي: ”ترى ما الذي يميزنا عن بعضنا؟ وما الذي يجمعنا؟” هل نحن مختلفون حقا، أم أننا مجرد تكملة في لعبة “puzzle” أي أننا أجزاء تلحم جسم هذا الكون في نفس الكون؟

جال خيالي وفكري ثانية متفكرا قانون الغاب، حيث القوة والشجاعة والمخاطرة والتكيف والإقدام والإحجام هي مفاهيم متأصلة كما أقول في معادلة البقاء. لكن ماذا عن عالم البشر الذي يتبدي لي بعيدا رغم انحيازه لنا في المسافة، ورغم عدم بُعد الشقة، هل يخضع لنفس النواميس؟ أم لديهم نواميسهم وقوانينهم الخاصة التي تحكمهم؟

بدوت متأملا حد الاستغراق والاستغراب، في هذه العلاقة الطردية بين العالمين، بل تهت على ساحل التفكير الذي لا شاطىء ترسو عليه إجابات دقيقة عن كيفية إمكانية هذا التعايش دون فقدان هوية العالمين، كيف نفهم بعضنا البعض رغم اختلاف لغة الحيوان وبني البشر وطرق التفكير بين المخلوقين؟

هذا التداخل بين العالمين جرني إلى مزيد من منوعات الأسئلة والقواعد والقواسم المشتركة، كلانا يسعى للبقاء والازدهار والانتشار وربما الانتصار، كلانا يبحث عن الأمان والكلأ والتزواج والحرية والحياة، وربما الحرية أقدس من الحياة نفسها. وكلانا محتاج إلى التواصل والتفاهم والوشائج والروابط والعلاقات.

تسائلت إبانئذ، وأنا في حيرة، وأنا أدب في الأرض، تسائلت بشدة : هل يمكننا أن نتعلم من بعضنا البعض؟ هل يمكننا أن نجد وسائل أكثر وضوحا للتعايش السلمي دون أن نفقد في إثر ذلك هوياتنا الخصيصة؟ أظن أن الإجابة دوما كالمولود، بل هي كالمخاض، أو لنقل تتخمض قبل أن تولد كطفل، كقوانين، قوانين للطبيعة، للعلائق، للقوانين البشرية والطبيعية. هنا يستجلي التحدي، في القدرة على الفهم والتكيف والتعاون والاستعداد للتعلم من هذا التداخل والتشابك، بل الاستفادة منه في حديته القصوى، إيجابا أكثر منه سلبا.

ترى هل أجبت جوابا شافيا كافيا ؟ كلا، وألف كلا، فكلما غصت في “الحديث والشجن” مع فكري، أدركت أن قانون الغاب ليس خاصا بعالم الحيوان والنبات فقط، ولا بالبشر على وجه الخصوص، بل هي قوانين تحكم الكل، في مفردات وبمفردات البقاء والتحكم والسيطرة والتكيف والتعاون والصراع وغيرها، مزيج محكم منسجم حد التناقض، ومتناقض حد الانسجام. فكرت مليا، وأدركت أن الجوع يتربص بي، وأن علي المبادرة إلى صيد ما يسد طريقه إلي، وفي نفسي شيء من “حتى” فكرية. هي قوانين تعلمنا وما زالت كيفية العيش معا إلى أن يبلغ الحد منتهاه من رحلة العمر القصير(ة).

Leave a Reply

Your email address will not be published.