افتتاحية الثعلب (24)

الثعلب الذي حلم بالمشي على قدمين

الثعلب الذي حلم بالمشي على قدمين 4/5

الجزء الرابع: عبور جسر الضباب

قاد الثعلب نفسه في مسار السلف وفي مكان تحولت فيه الغابة إلى كتلة من الضباب الكثيف والدبق. وقف في لحظة ما أمام جسر قديم قدم المكان ربما، جسر معلق فوق هاوية يظهر أن لا قعر لها أو أن قعرها الواقع في الأسفل بعيد… بعيد جدا، وكان الجسر يبدو كأنه شيء غير واقعي، يبدو كمنظر في الأحلام، لقد بدا له كأنه واقع في حلم أو حلم في واقع معلق بين عالمين، عالم الأحياء وعالم الأرواح، هكذا بدت له الصورة…

أحس بثعلبيته التوقعية أن هذا الجسر المعلق لم يكن هيكلا بسيطا كما يبدو شكله، وأنه فقط مصنوع من الخشب والحبال، بل أحس أنه اختبار يحمل اختيارات نهائيا لرغبته المستثيرة في ذهنه من أجل التغيير نحو كينونة وماهية مستجدة. همست مخاوفه وشكوكه ملتحمة بسحب الضباب كأنهما يعرفان بعضهما، دفعه الشك والضباب قليلا إلى الإحجام والتريث قليلا إلى الوراء، لكن نظرته المثبتة على بلوغ الجانب الآخر كانت أشبه بالتشبث بحبل في أعلى قمة، أو الطفو فوق خشبة ومصارعة عتو الموج العظيم من الشكوك والهلاوس والمخاوف.

كانت كل خطوة يخطوها فوق الجسر المعلق أشبه بمعركة ضروس ضد مخلوقه الكامنة وتوجساته الرابطة في جحور نفسه. بينما كان الضباب ماثلا يرتفع ويلتف حوله كأنه حبل موثوق هلامي لكنه يخنقه بالشكوك المتعاظمة. كان الضباب والجسر معا في تحالف لمحاولة جعله يسقط في الهاوية السحيقة من غير رجعة. كان الأمر هكذا يبدو له وهو يتابع المسير. كان كمن يسمع صوت الضباب المختلط بهمس الأشجار العالية القديمة، ولحن الصوت يصدر من مكان غير ظاهر مخفي خلف أرواح الغاب وسحائب الضباب الكثيف، كان صوتا وهمسا غريبا كأنه إذن بعبور من داخل فجوة كبيرة، مما أجبره على الإمعان في الاستماع وأيضا لعدم الاكتراث أحيانا، حيث أنه علم كونه لا يستطيع العودة والقفول راجعا أبدا كلما تقدم.

في منتصف الجسر، بدت معالم المكان كأنها عالم ينهار من حوله، فقط هبت ريح قوية، وتمايل الجسر بشكل خطير، وأصبحت أصوات المكان قوية وأكثر عتيا وأعلى صوتا، لم يكن يعرف من أين مصدر كل هذا الجبروت، لكنه كان يشعر في أعماق قلبه الشاب أنه يمتلك قوة جديدة عند كل خطوة جديدة يتقدمها نحو الأمام. تذكر في هذه اللحظة بالذات ملامح الثعلب العجوز الرمادي، تذكر كلماته وهو يواجه عباب الضباب وموج الأصوات الطيفية في رحلة الجسر.. تذكر كلماته المشبعة بغموض الحكمة : “يجب أن تكون حذرا، لأن التحول إلى إنسان ليس مجرد شكل، ولكن هي مسألة مرتبطة بالقلب والعقل.”

في محاولة أخيرة، بعدما شعر بتشبث عظيم ورغبة جانحة في البلوغ، عبر الثعلب الشاب صاحب الحلم الفريد، واضعا مخالبه الرشيقة على الأرض الصلبة من الجانب الآخر، الذي أحسه مكانا مختلفا تماما. عبر من خلال جسر الخوف أخيرا، وتمرد على ضباب كثيف مغلف بالشكوك والمخاوف وعدم اليقين، وأحس أنه وصل إلى مكان مختلف تماما، وأنه في هذه الرحلة الجسرية قد تغير على نحو ما… أحس أن شيئا ما فيه قد تغير…

(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.