افتتاحية الثعلب (19)

افتتاحية الثعلب (19)

الجزء 2 : الثعلب وديناميكيات القوة – الانعكاس الاستراتيجي

إن مسألة اختراق منظومة القوة العالمية يتطلب أكثر من مجرد معرفة عالم الحقائق والأرقام، فهو يتطلب فهما للديناميكيات الدقيقة التي تحكم العلاقات الدولية، وأنا كثعلب مجبول على الحكمة والمكر، وفي عالم يكون للقرارات السياسية فيه عواقب وآثارا عالمية، فلي قدرة على التنقل بين المصالح المتضاربة، وتمييز النوايا الحقيقية من المزيفة من وراء الأفعال بشكل واضح وناضج، والتنبؤ أيضا بالعواقب طويلة الأجل وهو أمر ضروري لمصالح الذي يعمل بالسياسة والكياسة.

كتب ”ميشل دي مونتين” في كتابه المشهور “المقالات Les Essais” أن “الحرية الحقيقية هي القدرة على فعل كل شيء لنفسك”، وينطبق هذا الوصف بشكل خاص على فن السياسة العالمية بدء بالغاب وانتهاء بعالم البشر، حيث وجب على الثعلب السياسي أولا فهم حاجات غرائزه الخاصة، قبل السعي إلى التأثير في الآخرين، والقدرة في ذلك أيضا على تحليل الأمور بشكل مستنير واتخاذ قرارات تلائم الواقع في لحظات الأزمات، مع الحفاظ على الهدوء وإتقان حساب الخطوات، وهي سمة ثعلبية نموذجية، وأمر بالغ الأهمية عند التنقل في الساحة القاسية وفي قلب الغاب وساحة السياسة الدولية.

علاوة على ذلك، فإن الثعلب في السياسة ليس فقط كائنا استراتيجيا؛ بل إنه دبلوماسي ماحق الذكاء، وكما أشار كيسنجر ”الملقب بثعلب السياسة الخارجية الأمريكية”، فإن فن التفاوض أساسي في العلاقات الدولية، والثعلب السياسي عرف عبر العصور كيفية الحزم بين المرونة والحزم، وكيفية استخدام قوة الإقناع بدلا من القوة الغاشمة، وكيفية تحويل المعارضين إلى حلفاء أحيانا. وهذا هو منهج الدبلوماسية وفقا لصلح قد يكون أحيانا دائما لكنه هش، بيد أنه يحافظ على موازين القوى والتسامح المتبادل كما في الغاب.

الأهم في كل ما سبق، وهو مما يدركه الثعلب والسياسي أن المعلومات هي عصب الحرب الحديثة، ومن يملك المعلومة يملك سبل الانتصار، لأنه يملك وسيلة من وسائل القوة، خصوصا وأننا في عالم البيانات، وهو ما يمكنني أنا أيضا في صيد الوحيش من قراءة بين السطور وفهم المضمر وراء الخطاب والحركة والرائحة والصوت والنظرات. يوضح المفكر فوكو كل ذلك في كتاب “المراقبة والمعاقبة Surveiller et punir” أهمية التحكم في المعلومات وقدرتها في الحفاظ على السلطة، وأن قرارات اليوم تشكل عالم الغد، وبالتالي فإن العمل ليس دوما هو السعي لتحقيق مكاسب فورية، ولكن لضمان تأثير دائم على الساحة الدولية.

وجب أن يعلم الجميع أن الثعلب كرمز للذكاء والدهاء السياسي، يستعمل الاستراتيجية والدبلوماسية والفهم العميق في ديناميكية السلطة للتنقل في هذا العالم المعقد، وإن فهم التعقيد يقود إلى حل يقود إلى التبسيط، والتبسيط هنا بغاية تحقيق مصلحة التفوق والبقاء ومجابهة الخطر والانتصار على الخصوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.