في القرن العشرين، كانت النخب الأكاديمية والسياسية والصحفية تحتل موقعاً شبه مقدس في المجتمعات الحديثة. كان الخبير يُنظر إليه كصوت المعرفة الموثوقة، والسياسي كصانع قرار عقلاني يُرسم المستقبل على أسس منطقية. أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة. فقد أصبح كثير من الناس يشككون في مصداقية الخبراء، حتى في المسائل العلمية أو الاقتصادية التي كانت تعتبر محصنة من الشك، وتحولت الثقة إلى سلعة نادرة، تُقايض بالانتماءات السياسية أو بالمصالح الشخصية.
الأرقام وحدها تكفي لرسم صورة صادمة لهذا التحول. ففي الولايات المتحدة، بينما يثق 77% من الأمريكيين بشكل عام في أن العلماء يتصرفون لمصلحة الجمهور، ينكسر هذا الرقم ليكشف عن انقسام سياسي حاد: 90% من الديمقراطيين يثقون بالعلماء، مقابل 65% فقط من الجمهوريين . هذا الانقسام يتكرر في مجالات أخرى، ويصل إلى مستويات أكثر تطرفاً عندما يتعلق الأمر بالصحة، حيث أظهرت دراسة في هونغ كونغ أن 48% فقط من جيل Z يعتبرون الأطباء مصدراً موثوقاً للمعلومات الصحية، بينما يثق قرابة نصفهم بالمؤثرين على وسائل التواصل .
الأزمة ليست مفاجئة، بل تراكمت عبر عقود. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault رأى السلطة دائماً كشبكة من العلاقات، وأن المعرفة نفسها تُستخدم كأداة للسيطرة. في كتابه “المراقبة والمعاقبة”، يشرح فوكو كيف أن asymmetry في المعرفة بين الرقيب والسجين تخلق علاقة قوة غير متكافئة . ومن هذا المنظور، يمكن فهم كيف أن الجمهور بدأ يرى الخبراء ليس كأوصياء على الحقيقة، بل كحاملي سلطات موروثة أو مجتمعية، قد تكون منحازة أو مرتبطة بمصالح خفية. لكن الدراسات الحديثة تكشف أن فوكو ربما أغفل جانباً مهماً: “قوة عدم المعرفة”. ففي بعض الحالات، يختار الأقوياء الجهل المتعمد ليحتفظوا بغلالة من الإنكار المعقول، بينما يختار الضعفاء الجهل ليحميوا أنفسهم من حقائق قد تكون مؤلمة أو محبطة . لقد فقد الرأي العام جزءاً من شعوره بالتحكم في المعلومات، وأصبح يتهم الخبراء أحياناً بالتحيز أو التعقيد المبالغ فيه.
الاجتماعي الفرنسي بيير بورديو Pierre Bourdieu أضاف طبقة أخرى على هذه الأزمة، إذ وصف “الرأسمال الرمزي” الذي تمنحه المجتمعات للنخب، وهو شكل من السلطة المعنوية، يمكن أن ينهار بسرعة عندما يتعرض للتشكيك. في دراسته عن حركة “السترات الصفراء” في فرنسا، يظهر كيف أن تآكل الرأسمال الرمزي للحكومة والنخب أدى إلى أزمة ثقة عميقة تجسدت في احتجاجات عارمة . وما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة ثقة، بل انهيار تدريجي لهذا الرأسمال. الشواهد كثيرة: تجاهل بعض الجماهير للتحذيرات الاقتصادية، الرفض المتزايد للتوصيات الصحية، والتساؤل المستمر حول مصداقية التقارير الإعلامية.

وسائل الإعلام الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مضاعفاً في هذا التحول. منصات مثل X و TikTok جعلت كل فرد قادراً على المشاركة في النقاش العام، لكن هذا التمكين جاء بثمن: أصبح من الصعب التمييز بين الرأي الشخصي والمعلومة الدقيقة، بين التحليل العلمي والجهل المتعمد. في مشهد مألوف، قد تجد دراسة علمية تنشر نتائجها، لتعترض عليها جحافل من المؤثرين الذين لا يمتلكون أدوات النقد العلمي، لكنهم يمتلكون منصة واسعة الانتشار. وأصبح الخبير، الذي كان في السابق مرجعاً وحيداً، منافساً لجماهير واسعة تستطيع تحديه فوراً، مهما كانت خبرته طويلة. والمفارقة أن وصول المعلومات أصبح مفتوحاً للجميع، لكن “الوصول المفتوح” وحده لم يحل المشكلة؛ بل في بعض الحالات، زاد من تعقيدها، حيث أصبح من الصعب حتى على الخبراء أنفسهم تمييز الأبحاث القوية من الضعيفة في ظل طوفان المنشورات .
لكن هذه الأزمة ليست كارثة مطلقة، بل فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والنخب. الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا، على سبيل المثال، تطور عمليات مراجعة منهجية تجمع أفضل الأدلة المتاحة وتولّد إجماعاً خبيراً يمكن الاعتماد عليه . هذا النموذج، الذي يقوم على الشفافية والمنهجية والمراجعة، يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى. يمكن للخبراء أن يستعيدوا شرعيتهم إذا تجاوزوا فكرة السلطة المطلقة وأصبحوا أكثر شفافية، وأكثر قدرة على الحوار، وأكثر قدرة على تقريب المعرفة إلى مستوى الجمهور، لا مجرد تقديمها على شكل بيانات جافة أو تقارير معقدة. إن “قاعدة الثلاثة” التي يقترحها الخبراء في الإعلام الرقمي هي التحقق من المعلومات عبر ثلاثة مصادر مستقلة وموثوقة، يمكن أن تكون أداة بسيطة لكنها فعالة لاستعادة المصداقية .
في النهاية، أزمة الثقة بالنخب تكشف عمق التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها العالم اليوم. إنها ليست مجرد مسألة مزاجية أو خطأ فرديا، بل انعكاس لتحول شامل في علاقة الإنسان بالمعرفة، والعقلانية بالسلطة. وإذا كان التاريخ دليلاً، فإن الأزمات العميقة غالباً ما تخلق فرصاً لتجديد الفكر وإعادة صياغة الثقة، وربما إعادة تعريف ما يعنيه أن يكون المرء خبيراً في القرن الحادي والعشرين. ففي عالم يتسم بعدم اليقين والتعقيد، ربما نحتاج إلى نوع جديد من الخبراء: أولئك الذين لا يمتلكون المعرفة فحسب، بل يمتلكون أيضاً التواضع للاعتراف بحدودها، والمهارة للتواصل مع الجمهور بلغة يفهمها، والنزاهة لقول “لا أعرف” عندما يكون الدليل غير كافٍ.

Leave a Reply